الطريق الى الجنة
اخي الحبيب تقرب الى الله ليتقرب الله اليك
ادعوك للتسجيل في المنتدى وابني مستقبلك

الادارة

الطريق الى الجنة

منتدى اسلامي ثقافي اجتماعي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 السيرة النبوية الجزء الثاني -27

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 99
تاريخ التسجيل : 31/10/2012
العمر : 57

مُساهمةموضوع: السيرة النبوية الجزء الثاني -27   الخميس نوفمبر 01, 2012 2:22 pm

المبحث الخامس
ســــــرية ذات السلاســــل
لم تمضِ سوى أيام على عودة الجيش من مؤتة إلى المدينة حتى جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا بقيادة عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل، وذلك لتأديب قضاعة التي غرها ما حدث في مؤتة التي اشتركت فيها إلى جانب الروم, فتجمعت تريد الدنو من المدينة، فتقدم عمرو بن العاص في ديارها ومعه ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار، ولما وصل إلى مكان تجمع الأعداء بلغه أن لهم جموعًا كثيرة، فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب المدد فجاءه مدد بقيادة أبي عبيدة ابن الجراح( ), وقاتل المسلمون الكفار وتوغل عمرو في ديار قضاعة التي هربت وتفرقت وانهزمت، ونجح عمرو في إرجاع هيبة الإسلام لأطراف الشام، وإرجاع أحلاف المسلمين لصداقتهم الأولى، ودخول قبائل أخرى في حلف المسلمين، وإسلام الكثيرين من بني عبس، وبني مرة وبني ذبيان، وكذلك فزارة وسيدها عيينة بن حصن في حلف مع المسلمين، وتبعها بنو سليم، وعلى رأسهم العباس بن مرداس، وبنو أشجع, وأصبح المسلمون هم الأقوى في شمال بلاد العرب، وإن لم يكن في بلاد العرب جميعهًا( ).
وفي هذه السرية دروس وعبر وحكم منها:
1- إخلاص عمرو بن العاص :
قال عمرو بن العاص: بعث إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خذ عليك ثيابك، وسلاحك ثم ائتني فأتيته، وهو يتوضأ، فصعد في النظر، ثم طأطأ، فقال: إني أريد أن أبعثك على جيش( ) فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك في المال رغبة صالحة، قال: قلت: يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح»( ).
فهذا الموقف يدل على قوة إيمان وصدق وإخلاص عمرو بن العاص للإسلام وحرصه على ملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بين له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المال الحلال نعمة إذا وقع بيد الرجل الصالح؛ لأنه يبتغي به وجه الله ويصرفه في وجوه الخير ويعف به نفسه وأسرته( ).
2- الاتحاد قوة والتنازع ضعف:
عندما وصل المدد الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيادة أبي عبيدة بن الجراح لجيش عمرو في ذات السلاسل، أراد أبو عبيدة أن يؤم الناس ويتقدم عمرو، فقال له عمرو: إنما قدمت علي مددًا لي، وليس لك أن تؤمني، وأنا الأمير، وإنما أرسلك النبي صلى الله عليه وسلم إلي مددًا، فقال المهاجرون كلا، بل أنت أمير أصحابك وهو أمير أصحابه، فقال عمرو: لا، بل أنتم مدد لنا، فلما رأى أبو عبيدة الاختلاف، وكان حسن الخلق، لين الطبع, قال: لتطمئن يا عمرو، وتعلمن أن آخر ما عهد إلي رسول الله أن قال: إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا ولا تختلفا، وأنك والله إن عصيتني لأطيعنك, فأطاع أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس( ).
لقد أدرك أبو عبيدة  أن أي اختلاف بين المسلمين في سرية ذات السلاسل يؤدي إلى الفشل, ومن ثم تغلب العدو عليهم، ولهذا سارع إلى قطع النزاع، وانضم جنديًا تحت إمرة عمرو بن العاص امتثالا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم «لا تختلفا» ( ).
3- حرص عمرو بن العاص على سلامة قواته:
ظهرت عبقرية عمرو العسكرية في ذات السلاسل في حرصه على وحدة الصف، وفي حرصه على سلامة قوته ويتجلى ذلك في عدة صور منها:
أ- أنه كان يسير ليلاً ويختفي نهارًا: كان عمرو يدرك بثاقب بصره، وبعد نظره أن العدو يمكن أن يسعى إلى معرفة أخباره قبل اللقاء بينهما، فيستعد للقاء جيش المسلمين؛ ولهذا رأى عمرو  أن السير ليلا والاختفاء نهارًا هو أفضل أسلوب للمحافظة على قواته وحقق بذلك أمرين مهمين:
* إخفاء تحركاته عن عدوه وبذلك يضمن سلامة قواته.
* حماية الجند من شدة الحر وحتى يبقى لهم نشاطهم فيصلون إلى مكان المواجهة، وهم أقوياء على مجابهة أعدائهم.
ب- عدم السماح للجند بإيقاد النار: عندما طلب الجنود من عمرو أن يسمح لهم بإيقاد النار لحاجتهم الماسة إلى التدفئة منعهم من ذلك معتمدًا في ذلك على خبرته الحربية وعمق فكره العسكري وخوفًا من وقوع مفسدة أعظم من تلك المصلحة وهي أن يمتد الضوء فيكشف المسلمين، وهم قلة لأعدائهم فيهجموا عليهم, ويتجلى هذا الفقه في حزمه الشديد مع أصحابه عندما كلمه أبو بكر في ذلك فقال: لا يوقد أحد منهم نارًا إلا قذفته فيها، فلما رجعوا إلى المدينة ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا نارًا فيرى عدوهم قلتهم( ), فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على فعله.
ج- منع الجند من مطاردة أعدائهم: عندما هزم المسلمون أعداءهم طمعوا فيهم، فأرادوا مطاردتهم وتتبع فلولهم، ولكن قائد السرية منع جنده من ذلك لئلا يترتب على هذه المطاردة مفسدة أعظم منها, وهي أن يقع المسلمون في كمين. ويتجلى هذا الفقه في قول عمرو بن العاص  للرسول صلى الله عليه وسلم: وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد( ), فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على هذا التصرف الحكيم الذي حقق للجيش الأمن والحماية( ).
4- من فقه عمرو بن العاص :
قال عمرو بن العاص : احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: ( وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) [النساء: 29]. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئًا( )، ولقد استُنبط بعض الأحكام من هذه القصة:
أ- التيمم يقوم مقام الغسل بالنسبة للجنب مع وجود الماء إذا خشي أن يؤدي استخدام الماء إلى الضرر، فلقد تيمم عمرو بن العاص لما أصبح جنبًا مع وجود الماء عنده وصلى وأقره الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه.
ب- يجوز الاجتهاد في عهده صلى الله عليه وسلم: فقد اجتهد عمرو بن العاص فتيمم وصلى وقد احتلم في تلك الليلة الباردة اعتمادًا على قوله تعالى ( وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) [النساء: 29] فلم ينكر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم اجتهاده بل أقره على أمرين: الأول: جواز الاجتهاد، والثاني تصحيح اجتهاده.
ج- من الأسباب المبيحة للتيمم تعذر استخدام الماء وإن وجد كالبرد الشديد.
د- تجوز إمامة المتيمم بالمتوضئ: فقد صلى عمرو بن العاص وهو متيمم إمامًا بخمسمائة صحابي قد توضأوا، وأقره الرسول على ذلك ولم ينكر عليه.
هـ- اجتهاد عمرو بن العاص يدل على فقهه ووفور عقله، ودقة استنباطه الحكم
من دليله( ). ولئن وقف الفقهاء عند هذه الحادثة يفرعون عليها الأحكام فإن الذي يستوقفنا( ) في السيرة منها تلك السرعة في أخذ عمرو للقرآن وصلته به حتى بات قادرًا على فقه الأمور من خلال الآيات وهو لم يمض على إسلامه أربعة أشهر، إنه الحرص على الفقه في دين الله، وقد يكون عمرو -وهذا احتمال وارد- على صلة بالقرآن قبل إسلامه يتتبع ما يستطيع الوصول إليه، وحينئذ نكون أمام مثال آخر من عظمة هذا القرآن الذي لوى أعناق الكافرين وجعلهم وهم في أشد حالات العداوة لهذا الدين يحاولون استماع هذا القرآن، كما رأينا ذلك في العهد المكي، ويؤيد هذا ما رأيناه من معرفته بالقرآن حينما طلب من النجاشي أن يسأل مهاجري الحبشة عن رأيهم في عيسى عليه السلام( ).
5- من نتائج سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشمال:
اتجهت حملات المسلمين العسكرية بعد صلح الحديبية نحو الشمال، وأصبح غرب الجزيرة وجنوبها الغربي حيث تقبع مكة آمنة في ظلال الصلح( )، وحققت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدافها ومقاصدها في شمال الجزيرة، فوصلت إلى حدود الروم، فأمنت حدود الدولة الإسلامية، وبسطت هيبتها وأفشلت محاولات الإغارة على المدينة، وبذلك حققت سياسية النبي صلى الله عليه وسلم في حركة السرايا هدفين عظيمين هما:
1- تأمين حماية الدين الإسلامي في الداخل.
2- حمايته في الخارج( ).
وما من شك أن المتتبع لأحداث السيرة النبوية الشريفة والمطلع على تفاصيلها ودقائقها بإمعان يجد بحق أن صلح الحديبية هو من أهم المكاسب السياسية، والعسكرية، والإعلامية، بل هو حصيلة كسب لأعظم معركة دارت بين الإسلام والوثنية في العهد النبوي، من حيث النتائج الإيجابية التي رسخت دعائم الإسلام، من جهة, وصدعت بفعلها قواعد الشرك والوثنية من جهة أخرى, وما حدث في خيبر من فتوح، وفي مؤتة من نصر، وفي ذات السلاسل من توسيع هيبة الدولة الإسلامية إلا نتائج تابعة لصلح الحديبية( ) وبسبب القدرة الفائقة في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع سنن الله في المجتمعات والشعوب، وبناء الدول.
* * *


الفصل الخامس عشر
غـــــــزوة فتــــح مكـــــة (8هـ)

المبحث الأول
أسبابها، والاستعداد للخروج والشروع فيه
أولاً: أسبابها:
1- ارتكبت قريش خطأ فادحًا عندما أعانت حلفاءها بني بكر على خزاعة حليفة المسلمين بالخيل والسلاح والرجال، وهاجم بنو بكر وحلفاؤهم قبيلة خزاعة عند ماء يقال له الوتير، وقتلوا أكثر من عشرين من رجالها( ), ولما لجأت خزاعة إلى الحرم الآمن
-ولم تكن متجهزة للقتال- لتمنع بني بكر منه، قالت لقائدهم: يا نوفل، إنا قد دخلنا حرم إلهك! فقال نوفل: لا إله اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم( ), عندئذ خرج عمرو بن سالم الخزاعي، في أربعين من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأخبروه بما كان من بني بكر، وبمن أصيب منهم، وبمناصرة قريش بني بكر عليهم، ووقف عمرو بن سالم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس فقال:
حلف أبينا وأبيه الأتلدا
يا رب إني ناشدٌ محمدًا

ثُمت أسلمنا فلم ننزع يدا( )
قد كنتم وُلدًا، وكنا والدًا

وادع عباد الله يأتوا مددا
فانصر -هداك الله- نصرًا أعتدا

إن سيم خسفا وجهه تربدا
فيهم رسول الله قد تجردا

إن قريشًا أخلفوك الموعدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدًا

وجعلوا لي في (كَدَاءِ) رُصَّدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا

وهم أذل وأقل عددا
وزعموا أن لست أدعو أحدا

وقتلونا ركَّعا وسُجَّدا
هم بيتونا بالوتير هجّدا

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نُصرت يا عمرو بن سالم! ( ) لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب» ولما عرض السحاب من السماء قال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب( ).
وجاء في رواية: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن سمع وتأكد من الخبر أرسل إلى قريش فقال لهم: «أما بعد، فإنكم إن تبرؤوا من حلف بني بكر، أتُدوا خزاعة( )، وإلا أوذنكم بحرب» فقال قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف صهر معاوية: إن بني بكر قوم مشائيم، فلا ندى ما قتلوا لنا سبد، ولا لبد( )، ولا نبرأ من حلفهم فلم يبق على ديننا أحد غيرهم، ولكن نؤذنه بحرب( ).
وفي هذا دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفاجئ قريشًا بالحرب وإنما خيرَّهم بين هذه الخصال الثلاث فاختاروا الحرب( ).
2- أبو سفيان يحاول تلافـي حماقة قريش:
بعثت قريش أبا سفيان إلى المدينة لتمكين الصلح وإطالة أمده, وعندما وصل إلى المدينة ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض حاجته، أعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجبه، فاستعان بكبار الصحابة أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي حتى يتوسطوا بينه وبين رسول الله، فأبوا جميعًا، فعاد أبو سفيان إلى مكة من غير أن يحظى بأي اتفاق أو عهد( )، ومما يذكر عند نزوله في المدينة أنه دخل على ابنته أم حبيبة أم المؤمنين، وأراد أن يجلس على فراش رسول الله طوته عنه، فقال: يا بنية, ما أدري، أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟! قالت: بل هذا فراش رسول الله، وأنت مشرك نجس، قال: والله لقد أصابك بعدي شر( ).
وهذا الموقف لا يستغرب من أم حبيبة، فهي ممن هاجر الهجرتين وقد قطعت صِلاتها بالجاهلية منذ أمد بعيد، إنها لم تر أباها منذ ست عشرة سنة، فلما رأته لم تر فيه الوالد الذي ينبغي أن يقدر ويحترم، وإنما رأت فيه رأس الكفر الذي وقف في وجه الإسلام وحارب رسوله تلك السنوات الطويلة( ), وهذا ما كان يتصف به الصحابة رضي الله عنهم من تطبيق أحكام الإسلام في الولاء والبراء وإعزاز الإسلام والمسلمين. وفي مخاطبة أم حبيبة لأبيها بهذا الأسلوب -مع كونه أباها ومع مكانته العالية في قومه وعند العرب- دليلٌ على قوة إيمانها ورسوخ يقينها، لقد كان في سلوك أم حبيبة مظهر من اجتهاد الصحابة البالغ في إظهار أمر له أهميته البالغة في المحافظة على شخصية المسلم ودفع معنوياته إلى النماء والحيوية( ).
وأمام نقض قريش للعهود والمواثيق مع المسلمين فقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة وتأديب كفارها، وقد ساعده على ذلك العزم -بعد توفيق الله- عدة أسباب منها:
أ- قوة جبهة المسلمين الداخلية في المدينة وتماسكها: فقد تخلصت الدولة الإسلامية من غدر اليهود، وتم القضاء على يهود بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة, ويهود خيبر.
ب- ضعف جبهة الأعداء في الداخل: وفي مقدمة هؤلاء المنافقون الذين فقدوا الركن الركين لهم -وهو يهود المدينة- فهم أساتذتهم الذين يوجهونهم ويشيرون عليهم.
ج- اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتطوير القوة العسكرية، وإرسال السرايا في فترة الصلح؛ وبذلك أصبحت متفوقة على قوة مشركي قريش حيث العدد والعدة والروح المعنوية.
د- كانت الغزوة بعد أن ضعفت قريش اقتصاديًّا وبعد أن قويت الدولة الإسلامية اقتصاديًّا, فقد فتح المسلمون خيبر وغنموا منها أموالاً كثيرة.
هـ- انتشار الإسلام في القبائل المجاورة للمدينة، وهذا يطمئن القيادة حين تتخذ قرارها العسكري بنقل قواتها ومهاجمة أعدائها.
و- قيام السبب الجوهري والقانوني لغزو مكة, وهو نقض قريش للعهد والعقد( ). ونلحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضيع قانون الفرصة وتعامل معه بحكمة بالغة، فكان فتح خيبر, وذلك بعد صلح الحديبية، والآن تتاح فرصة أخرى بعد أن نقضت قريش عهدها، وتغيرت موازين القوى في المنطقة، فكان لا بد من الاستفادة من المعطيات الجديدة، فأعد صلى الله عليه وسلم جيشًا لم تشهد له الحجاز مثيلاً من قبل، فقد وصلت عدته إلى عشرة آلاف رجل( ).
ثانيًا: الاستعداد للخروج:
إن حركة النبي صلى الله عليه وسلم في بناء الدولة وتربية المجتمع وإرسال السرايا، وخروجه في الغزوات, تعلمنا كيفية التعامل مع سنة الأخذ بالأسباب, سواء كانت تلك الأسباب مادية أو معنوية، ففي غزوة الفتح نلاحظ هذه السنة واضحة في هديه صلى الله عليه وسلم؛ فعندما قرر صلى الله عليه وسلم السير لفتح مكة، حرص على كتمان هذا الأمر؛ حتى لا يصل الخبر إلى قريش فتعد العدة لمجابهته, وتصده قبل أن يبدأ في تنفيذ هدفه, وشرع في الأخذ بالأسباب الآتية لتحقيق مبدأ المباغتة:
1- أنه كتم أمره حتى عن أقرب الناس إليه:
فقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمبدأ السرِّية المطلقة والكتمان الشديد حتى عن أقرب الناس إليه وهو أبو بكر  أقرب أصحابه إلى نفسه، وزوجته عائشة رضي الله عنها أحب نسائه إليه، فلم يعرف أحد شيئًا عن أهدافه الحقيقية, ولا باتجاه حركته, ولا بالعدو الذي ينوي قتاله؛ بدليل أن أبا بكر الصديق  عندما سأل ابنته عائشة رضي الله عنها عن مقصد الرسول صلى الله عليه وسلم قالت له: ما سمى لنا شيئًا. وكانت أحيانًا تصمت، وكلا الأمرين يدل على أنها لم تعلم شيئًا عن مقصده صلى الله عليه وسلم( ).
ويستنبط من هذا المنهج النبوي الحكيم أنه ينبغي للقادة العسكريين أن يخفوا خططهم عن زوجاتهم؛ لأنهن ربما يذعن شيئًا من هذه الأسرار -عن حسن نية- فتتنقلها الألسن حتى تصير سببًا في حدوث كارثة عظيمة( ).
2- أنه بعث سرية بقيادة أبي قتادة إلى بطن إضم:
بعث النبي صلى الله عليه وسلم قبل مسيرة مكة سرية مكونة من ثمانية رجال؛ وذلك لإسدال الستار على نياته الحقيقية، وفي ذلك يقول ابن سعد: (لما همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزو أهل مكة بعث أبا قتادة بن ربعي في ثمانية نفر سرية إلى بطن إضم( ) ليظن ظان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه إلى تلك الناحية؛ ولأن تذهب بذلك الأخبار، فمضوا ولم يلقوا جمعًا، فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذي خُشُب( ) فبلغهم أن رسول الله قد توجه إلى مكة، فأخذوا على (بيبين) حتى لقوا النبي صلى الله عليه وسلم بالسُّقيا( )) ( ).
وهذا منهج نبوي حكيم في توجيه القادة من بعده إلى وجوب أخذ الحذر وسلوك ما يمكن من أساليب التضليل على الأعداء والإيهام التي من شأنها صرف أنظار الناس عن معرفة مقاصد الجيوش الإسلامية التي تخرج من أجل الجهاد في سبيل الله حتى تحقق أهدافها وتسلم من كيد أعدائها( ).
3- أنه بعث العيون لمنع وصول المعلومات إلى الأعداء:
بث صلى الله عليه وسلم رجال استخبارات الدولة الإسلامية داخل المدينة وخارجها حتى لا تنتقل أخباره إلى قريش, وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنقاب( )، فكان عمر بن الخطاب  يطوف على الأنقاب قيمًا بهم فيقول: لا تدعوا أحدا يمر بكم تنكرونه إلا رددتموه.. إلا من سلك إلى مكة فإنه يتحفظ به ويسأل عنه أو ناحية مكة( ).
إن جمع المعلومات سلاح ذو حدين، وقد استفاد الرسول صلى الله عليه وسلم من حدِّه النافع لصالح المسلمين, وأبطل مفعول الحد الآخر باتباعه السرِّية واتخاذها أساسًا لتحركاته واستعداداته؛ ليحرم عدوه من الحصول على المعلومات التي تفيده في الاستعداد لمجابهة هذا الجيش بالقوة المناسبة( ).
4- دعاؤه صلى الله عليه وسلم بأخذ العيون والأخبار عن قريش:
وبعد أن أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسباب البشرية التي في استطاعته توجه إلى الله عز وجل بالدعاء والتضرع قائلا: «اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة ولا يسمعوا بنا إلا فجأة»( ).
وهذا شأن النبي صلى الله عليه وسلم في أموره؛ يأخذ بجميع الأسباب البشرية، ولا ينسى التضرع والدعاء لرب البرية ليستمد منه التوفيق والسداد.
5- إحباط محاولة تجسس حاطب لصالح قريش:
عندما أكمل النبي صلى الله عليه وسلم استعداده للسير إلى فتح مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى أهل مكة يخبرهم فيه نبأ تحرك النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، وأرسله مع امرأة مسافرة إلى مكة، ولكن الله -سبحانه وتعالى- أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحي على هذه الرسالة، فقضى صلى الله عليه وسلم على هذه المحاولة وهي في مهدها، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا والزبير والمقداد فأمسكوا بالمرأة في روضة خاخ على بعد اثني عشر ميلا من المدينة، وهددوها أن يفتشوها إن لم تخرج الكتاب فسلمته لهم, ثم استدعي حاطب  للتحقيق, فقال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امرأ ملصقًا في قريش -يقول: كنت حليفًا- ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنه قد صدقكم».
فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال صلى الله عليه وسلم: إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم( )، فأنزل الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِن كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) [الممتحنة: 1].
ويقول الأستاذ سيد قطب: على الرغم من كل ما ذاق المهاجرون من العنت والأذى من قريش فقط ظلت بعض النفوس تود لو وقعت بينهم وبين أهل مكة المحاسنة والمودة، وأن لو انتهت هذه الخصومة القاسية التي تكلفهم قتال أهليهم وذوي قرابتهم، وتقطع ما بينهم وبينهم من صلات، وكأن الله يريد استقصاء هذه النفوس واستخلاصها من كل هذه الوشائج، وتجريدها لدينه وعقيدته ومنهجه... فكان يأخذهم يوما بعد يوم بعلاجه الناجع البالغ، بالأحداث والتعقيب على الأحداث ليكون العلاج على مسرح الأحداث, وليكون الطرق والحديد ساخن( ).
ثالثًا: الشروع في الخروج وأحداث في الطريق:
1- خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصدًا مكة في العاشر من رمضان من العام الثامن للهجرة( ) واستخلف على المدينة أبا رهم، كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري( ) وكان عدد الجيش عشرة آلاف فيهم المهاجرون والأنصار الذين لم يتخلف منهم أحد، فسار هو ومن معه إلى مكة يصوم ويصومون, فلما وصل الجيش الكديد (الماء الذي بين قديد وعسفان) أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر الناس معه( ) وفي الجحفة لقيه العباس بن عبد المطلب عمه وقد خرج مهاجرًا بعياله, فسر صلى الله عليه وسلم( ). وفي خروج العباس بأهله وأولاده من مكة -وكان بها بمثابة المراسل العسكري أو مدير الاستخبارات هناك- إشارة إلى أن مهمته فيها قد انتهت, وخاصة إذا لاحظنا أن بقاءه في مكة كان بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم( ).
2- إسلام أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أمية:
خرج أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أمية بن المغيرة من مكة, فلقيا رسول الله بثنية العقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فقالت: يا رسول الله ابن عمك، وابن عمتك وصهرك، فقال: لا حاجة لي فيهما؛ أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال، فلما خرج الخبر إليهما بذلك -ومع أبي سفيان بن الحارث ابن له- فقال: والله ليأذنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهب في الأرض حتى نموت عطشًا أو جوعًا، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رقَّ لهما، فدخلا عليه، فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره عما كان مضى فيه فقال:
لتغلب خيل اللات خيل محمد
لعمرك إني يوم أحمل راية

فهذا أوان الحق أهدي وأهتدي
لكالمدلج الحيران أظلم ليله

وقل لثقيف تلك عندي فأوعدي
فقل لثقيف لا أريد قتالكم

إلى الله من طرَّدت كل مطرد
هداني هاد غير نفسي ودلني

وأدعى وإن لم أنتسب لمحمد
أفر سريعًا جاهدًا عن محمد

وإن كان ذا رأي يُلَمْ ويفند
همُ عصبة من لم يقل بهواهم

مع القوم ما لم أهد في كل مقعد
أريد لأرضيهم ولست بلاقط

وما كان عن غير لساني ولا يدي
فما كنت في الجيش الذي نال عامرا

توابع جاءت من سهام وسردد
قبائل جاءت من بلاد بعيدة

سيسعى لكم امرؤ غير مقدد( )
وإن الذي أخرجتم وشتمتم

قال: فلما أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم (إلى الله من طردت كل مطرد)، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره، فقال: «أنت طردتني كل مطرد»( ).
كان أبو سفيان بن الحارث يهجو بشعره رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا، وأما عبد الله بن أمية فقد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (فوالله لا أومن بك حتى تتخذ إلى السماء سلمًا ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك كما تقول, ثم وايم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك)( ).
ومع فداحة جرمهما فإن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنهما وقبل عذرهما، وهذا مثال عالٍ في الرحمة والعفو والتسامح، ولقد كفَّر أبو سفيان بن الحارث عن أشعاره السابقة بهذه القصيدة البليغة التي قالها في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وبيان اهتدائه به، ولقد حسن إسلامه، وكان له موقف مشرف في الجهاد مع رسول الله في معركة حنين( ).
3- النزول بمر الظهران وإسلام أبي سفيان بن حرب سيد قريش:
وتابع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيره حتى أتى مر الظهران( ) فنزل فيه عشاء، فأمر الجيش فأوقدوا النيران، فأوقدت عشرة آلاف نار، وجعل رسول الله على الحرس عمر بن الخطاب( ).
قال العباس: فقلت: واصباح قريش! والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، وركب بغلة رسول الله وخرج يلتمس من يوصل الخبر إلى مكة ليخرجوا إلى رسول الله فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة، وكان أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء قد خرجوا يلتمسون الأخبار، فلما رأوا النيران قال أبو سفيان: ما رأيت كالليلة نيرانًا قط ولا عسكرًا، فقال بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب( )، فقال أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.. وسمع العباس أصواتهم فعرفهم فقال: يا أبا حنظلة، فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، قال: ما لك، فداك أبي وأمي؟! قال العباس: قلت: ويحك يا أبا سفيان, هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس واصباح قريش والله! قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟! قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله فأستأمنه لك، قال: فركب خلفي ورجع صاحباه، فجئت به، كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا: عم رسول الله على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إلي فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه، قال: قلت: يا رسول الله, إني قد أجرته. فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلا يا عمر، فوالله أن لو كان من بني عدي ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف، فقال: مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: «اذهب به يا عباس إلى رحلك فإذا أصبحت فأتني به», فلما أصبح غدوت به, فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟» قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني بعد، قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟» قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئًا، فقال له العباس: ويحك أسلم قبل أن نضرب عنقك، قال: فشهد شهادة الحق فأسلم. قال العباس: قلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا, قال: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» فلما ذهب لينصرف قال رسول الله: «يا عباس, احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها» قال: فخرجت حتى حبسته حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فأقول: سليم, فيقول: ما لي ولسليم، ثم تمر به القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فأقول: مزينة, فيقول: ما لي ولمزينة.. حتى مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال: سبحان الله يا عباس، من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، ثم قال: والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك
اليوم عظيمًا. قال: قلت: يا أبا سفيان: إنها النبوة، قال: فنعم إذن، قال: قلت: النجاء
إلى قومك( ).
إن في هذه القصة دروسا وعبرا وحكما في كيفية معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم للنفوس البشرية ومن أهم هذه الدروس:
1- عندما أصبح أبو سفيان رهينة بيد المسلمين، وأصبح رهن إشارة النبي صلى الله عليه وسلم، وهمَّ به عمر، وأجاره العباس، ثم جاء في صبيحة اليوم الثاني ليمثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت المفاجأة الصاعقة له بدل التوبيخ والتهديد والإذلال أن يدعى إلى الإسلام، فتأثر بهذا الموقف واهتز كيانه؛ فلم يملك إلا أن يقول: بأبي أنت وأمي يا محمد، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! إنه يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبيه وأمه، ويثني عليه الخير كله: ما أحلمك وأكرمك وأوصلك!( ) وعندما قال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» ففي تخصيص بيت أبي سفيان شيئًا يشبع ما تتطلع إليه نفس أبي سفيان، وفي هذا تثبيت له على الإسلام وتقوية لإيمانه( ) وكان هذا الأسلوب النبوي الكريم عاملا على امتصاص الحقد من قلب أبي سفيان, وبرهن له بأن المكانة التي كانت له عند قريش، لن تنتقص شيئا في الإسلام، إن هو أخلص له وبذل في سبيله( ) وهذا منهج نبوي كريم على العلماء والدعاة إلى الله أن يستوعبوه ويعملوا به في تعاملهم مع الناس.
2- وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه العباس عن أبي سفيان: «احبسه بمضيق الوادي، حتى تمر به جنود الله فيراها»( ) ففعل العباس, وكان صلى الله عليه وسلم يريد أن يشن حربًا نفسية للتأثير على معنويات قريش حتى يتسنى له القضاء على روح المقاومة عند زعيم مكة، وحتى يرى أبو سفيان بعيني رأسه مدى قوة ما وصل إليه الجيش الإسلامي من تسليح وتنظيم وحسن طاعة وانضباط؛ وبذلك تتحطم أي فكرة في نفوس المكيين يمكن أن تحملهم على مقاومة هذا الجيش المبارك إذا دخل مكة لتحريرها من براثن الشرك والوثنية( ), وبالفعل تم ما رسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأدرك أبو سفيان قوة المسلمين، وأنه لا قبل لقريش بهم, حتى إذا مرت به كتيبة المهاجرين والأنصار قال أبو سفيان: سبحان الله! يا عباس, من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قِبَل ولا طاقة والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما، قال: قلت: يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال: نعم إذاً....( ).
«إنها النبوة»؛ تلك هي الكلمة التي أدارتها الحكمة الإلهية على لسان العباس، حتى تصبح الرد الباقي إلى يوم القيامة على كل من يتوهم أو يوهم أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانت ابتغاء ملك أو زعامة، أو إحياء قومية أو عصبية, وهي كلمة جاءت عنوانًا لحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها، فقد كانت ساعات عمره ومراحلها كلها دليلاً ناطقا على أنه بعث لتبليغ رسالة الله إلى الناس، لا لإشادة ملك لنفسه في الأرض( ).
لقد تعمد النبي صلى الله عليه وسلم شن الحرب النفسية على أعدائه أثناء سيره لفتح مكة, حيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإيقاد النيران فأوقدوا عشرة آلاف نار في ليلة واحدة حتى ملأت الأفق, فكان لمعسكرهم منظر مهيب كادت تنخلع قلوب القريشيين من شدة هوله( ), وقد قصد النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك تحطيم نفسيات أعدائه والقضاء على معنوياتهم حتى لا يفكروا في أية مقاومة، وإجبارهم على الاستسلام لكي يتم له تحقيق هدفه دون إراقة دماء، وبتطبيق هذا الأسلوب تم له صلى الله عليه وسلم ما أراد، ولقد كان اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بمعنويات المقاتل ونفسيته سبقًا عسكريًّا؛ بدليل أن المدارس العسكرية التي جاءت فيما بعد جعلت هذا الأمر موضع العناية والاهتمام من الناحية العسكرية( ).
* * *

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://theroadtoparadise.alafdal.net
 
السيرة النبوية الجزء الثاني -27
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الطريق الى الجنة :: السيرة المطهرة-
انتقل الى: