الطريق الى الجنة
اخي الحبيب تقرب الى الله ليتقرب الله اليك
ادعوك للتسجيل في المنتدى وابني مستقبلك

الادارة

الطريق الى الجنة

منتدى اسلامي ثقافي اجتماعي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 السيرة النبوية الجزء الثاني -21

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 99
تاريخ التسجيل : 31/10/2012
العمر : 57

مُساهمةموضوع: السيرة النبوية الجزء الثاني -21   الخميس نوفمبر 01, 2012 2:10 pm

أهل مكة في هذه الغزوة بالذات؛ لحكم ظهرت فيما بعد منها:
أ- دخول المسلمين بالقوة يعني أن تحدث مذابح، وتزهق أرواح كثيرة، وتسفك دماء غزيرة من الطرفين، وهذا أمر لم يرده الباري سبحانه، وكان لمصلحة الفريقين المؤمنين والمشركين.
ب- إن من المحتمل أن ينال الأذى والقتل والتشريد على أيدي المؤمنين بعض المستضعفين من إخوانهم من المسلمين في مكة، وهذا فيه ما فيه من المعرة التي لا يليق بمسلم أن يقع فيها، قال سبحانه: ( هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) [الفتح: 25].
ج- لقد سبق في علم الله عز وجل أن هؤلاء الذين يقفون اليوم صادين رسول
الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم عن المسجد الحرام، هم الذين سيفتح قلوبهم إلى الإسلام, ويستفتح الله على أيديهم بلادًا كثيرة، حين يحملون هذه الرسالة للناس، وينيرون ظلمة الطريق للمدلجين( ).
خامسًا: السفارة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وقريش:
بذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وسعه لإفهام قريش أنه لا يريد حربًا معهم، وإنما يريد زيارة البيت الحرام وتعظيمه وهو حق للمسلمين، كما هو حق لغيرهم، وعندما تأكدت قريش من ذلك أرسلت إليه من يفاوضه, ويتعرف على قوة المسلمين ومدى عزمهم على القتال إذا أُلجئوا إليه، وطمعًا في صد المسلمين عن البيت بالطرق السلمية من جهة ثالثة( ).
1- ركب من خزاعة بقيادة بُدَيل بن ورقاء:
جاء بُدَيل بن ورقاء في رجال من خزاعة، وكانت خزاعة عيبة( ) نصح رسول
الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، وبينوا أن قريشًا تعتزم صد المسلمين عن دخول مكة، فأوضح لهم الرسول صلى الله عليه وسلم سبب مجيئه، وذكر لهم الضرر الذي وقع على قريش من استمرار الحرب، واقترح عليهم أن تكون بينهم هدنة إلى وقت معلوم حتى يتضح لهم الأمر، وإن أبوا فلا مناص من الحرب, ولو كان في ذلك هلاكه، فنقلوا ذلك إلى قريش( ), وقالوا لهم: يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد، إن محمدًا لم يأت لقتال، وإنما جاء زائرًا هذا البيت، فاتهموهم وخاطبوهم بما يكرهون، وقالوا: وإن كان إنما جاء لذلك فلا والله لا يدخلها علينا عنوة أبدًا ولا تتحدث بذلك العرب( ). وقد ظهرت براعة النبي صلى الله عليه وسلم السياسية في عرضه على مشركي مكة الهدنة والصلاح؛ لأن في ذلك فوائد كثيرة منها:
أ- فبالهدنة يضمن حياد قريش ويعزلها عن أي صراع يحدث في الجزيرة العربية، سواء كان هذا الصراع مع القبائل العربية الأخرى, أم مع اليهود ذلك العدو اللئيم الغادر الذي يتربص بالمسلمين الدوائر.
ب- حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يبقى الاتصال مفتوحًا بينه وبين قريش، ليسمع منهم ويسمعوا منه بواسطة الرسل، والسفراء، وفي هذا تقريب للنفوس وتبريد لجو الحرب، وإضعاف لحماسهم نحو القتال.
ج- حرص صلى الله عليه وسلم على أن تدرك خزاعة بقيادة بديل والركب الذي معه أن حليفهم قوي, فتزداد ثقتهم به وحلفهم له ولبني هاشم من قبل الإسلام، فقد بقي ولم يُلْغَ، وتأكد في صلح الحديبية.
د- إن العقلاء الذين يفكرون بعقولهم حين يسمعون كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه جاء معظمًا للبيت، والمشركون يردونه، وهو يصر على تعظيمه، سيقف هؤلاء بجانبه ويتعاطفون معه فيقوى مركزه، ويضعُف مركز قريش الإعلامي والديني في نفوس الناس.
هـ- إن مشركي مكة لم يطمئنوا إلى كلام بديل الذي نقله إليهم؛ ذلك لأنهم يعلمون أن خزاعة كانت عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشعرون بودّ خزاعة للرسول والمسلمين( ).
و- ويؤخذ من جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم لبديل بن ورقاء حسن التلطف في الوصول إلى الطاعات, وإن كانت غير واجبة، ما لم يكن ذلك ممنوعًا شرعًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب المشركين لما طلبوا منه، ولم يظهر لهم ما في النفوس من البغض لهم والكراهية فيهم لطفًا منه عليه السلام فيما يؤمل من البلوغ إلى الطاعة التي خرج إليها( ).
2- سفارة عروة بن مسعود الثقفي:
لم تقبل قريش ما نقله بديل بن ورقاء الخزاعي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جاء زائرًا للبيت ولم يأت مقاتلاً، واتهمتهم، بل وأسمعتهم ما يكرهون, فاقترح عليهم عروة بن مسعود الثقفي أن يقابل الرسول صلى الله عليه وسلم ويسمع منه، ثم يأتيهم بالخبر اليقين( ). وقد ذكر ذلك البخاري في صحيحه فقال:... فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى, قال: فهل تتهمونني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ ( )، فلما بلحوا ( ) عليَّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آتيه، قالوا: ائته فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوًا من قوله لبديل( ), فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإنني والله لا أرى وجوهًا، وإني لأرى أشوابًا( ) من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك، فقال أبو بكر: امصص بظر( ) اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟( ) فقال: من ذاك؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك.
لقد حاول عروة بن مسعود أن يشنَّ على المسلمين حربًا نفسية حتى يهزمهم معنويًّا، فاستخدم عنصر الإشاعة, ويظهر ذلك عندما لوح بقوة قريش العسكرية، معتمدًا على المبالغة في تصوير الموقف بأنه سيؤول لصالح قريش لا محالة، وذلك بأن يوقع الفتنة والإرباك في صفوف المسلمين, وذلك حينما حاول إضعاف الثقة بين القائد وجنوده عندما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك, حاول ذلك من أجل التأثير على نفسيات المسلمين ولخدمة أهداف قريش العسكرية والإعلامية، وحاول أيضا أن يفتعل أزمة عسكرية كبيرة بين النبي صلى الله عليه وسلم وجنوده من أجل التأثير على معنوياتهم وتحطيم عزائمهم، وهذا من أقوى أساليب الحرب النفسية التي استخدمت ضد المسلمين، أثناء تلك المفاوضات. وحاول عروة أن يثير الرعب وذلك بتخويف المسلمين من قوة قريش التي لا تقهر، وتصوير المعركة بأنها في غير صالحهم، لقد مارس عروة بن مسعود في مفاوضته عناصر الحرب النفسية من إشاعة وافتعال الأزمات وإثارة الرعب( ), إلا أن تلك العناصر تحطمت أمام الإيمان العميق والتكوين الدقيق والصف الإسلامي المرصوص. ومن المفارقات الرائعة التي حصلت أثناء المفاوضات مع عروة بن مسعود وهي من عجائب الأحداث التي يستشف منها الدليل القاطع على قوة الإيمان التي كان يتمتع بها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى قدرة هذا الدين في تحويل الإنسان من شيطان مريد إلى إنسان فاضل نبيل، حيث كان أحد الذين يتولون حراسة النبي صلى الله عليه وسلم أثناء محادثاته مع عروة بن مسعود الثقفي في الحديبية هو المغيرة بن شعبة( ) -ابن أخي عروة بن مسعود نفسه- وكان المغيرة هذا قبل أن يهديه الله للإسلام شابًّا فاتكًا سكيرًا، قاطعًا للطريق غير أن دخوله للإسلام حوله إلى إنسان آخر، وقد أصبح بفضل الله تعالى من الصفوة المؤمنة، وقد وقع عليه الاختيار ليقوم بمهامّ حراسة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الجو الملبد بغيوم الحرب، وكان من عادة الجاهلية في المفاوضات، أن يمسك المفاوض بلحية الذي يراه ندًّا له أثناء الحديث، وعلى هذه القاعدة كان عروة بن مسعود يمسك بلحية رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء المناقشة، الأمر الذي أغضب المغيرة بن شعبة الذي كان قائمًا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف يحرسه وعلى وجهه المغفر فانتهر عمه وقرع يده بقائم السيف قائلاً له: اكففْ يدك عن مس لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن لا تصل إليك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبتسم للذي يجري بين عروة المشرك وبين ابن أخيه المؤمن، ولما كان المغيرة بن شعبة يقف بلباسه الحربي متوشحًا بسيفه ودرعه وعلى وجهه المغفر، فإن عمه عروة لم يكن باستطاعته معرفته، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في أشد الغضب، ليت شعري من أنت يا محمد؟ من هذا الذي أرى من بين أصحابك؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة، فقال له عمه: وأنت بذلك يا غُدر؟ لقد أورثتنا العداوة من ثقيف أبد الدهر، والله ما غسلت غدرتك إلا بالأمس. كان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء( ).
لقد فشل عروة في مفاوضاته، ورجع محذرًا قريشًا من أن تدخل في صراع مسلح مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال لهم: يا قوم, والله لقد وفدت على الملوك؛ وفدت على قيصر, وكسرى، والنجاشي، وإني والله ما رأيت ملكًا قط أطوع فيمن هو بين ظهرانيه من محمد وأصحابه، والله ما يشدون إليه النظر، وما يرفعون عنده الصوت، وما يكفيه إلا أن يشير إلى أمر فيُفعل، وما يتنخم وما يبصق إلا وقعت في يدي رجل منهم يمسح بها جلده، وما يتوضأ إلا ازدحموا عليه أيهم يظفر منه بشيء، وقد حزرت القوم، واعلموا إنكم إن أردتم السيف، بذلوه لكم، وقد رأيت قومًا ما يبالون ما يصنع بهم، إذا منعوا صاحبهم، والله لقد رأيت نسيات معه، وإن كن ليسلمنه أبدًا على حال، فروا رأيكم، وإياكم وإضجاع( ) الرأي, فمادوه يا قوم، اقبلوا ما عرض فإني لكم ناصح مع أني أخاف ألا تنصروا عليه؛ رجل أتى هذا البيت معظمًا له، معه الهدي، ينحره وينصرف، فقالت قريش: لا تكلم بهذا يا أبا يعفور( ), لو غيرك تكلم بها للمناه، ولكن نرده عن البيت في عامنا هذا ويرجع قابل( ).
لقد انتقلت الحرب النفسية وتأثيرها في صفوف المسلمين لتعمل داخل جبهة قريش وفي نفوسهم، فقد كان تصوير عروة لما رآه صادقًا، حيث بيَّن لقريش وضع المسلمين في الحديبية، من طاعتهم لنبيهم الكريم وحبهم له وتفانيهم بالدفاع عنه، وبما يتمتعون به من معنويات عالية جدًّا، واستعداد عسكري ونفسي يفوق الوصف، فكان ذلك بمثابة التحذير الفعلي لقريش بعدم التعجيل والدخول في حرب مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مما قد تكون نتائج هذه المعركة لصالح المسلمين، الأمر الذي أسقط في أيدي زعمائها، ولم تكن قريش تتوقعه أبدًا في تقويمها للأمور، لقد كان وقع كل كلمة قالها سيد ثقيف كالصاعقة على مسامع نفوس زعماء قريش، لقد كان صلى الله عليه وسلم موفقًا من قبل الله تعالى، ولذلك نجد أثره على عروة بن مسعود, مما جعل الانشقاق يدب في معسكر قريش، وأخذت جبهة قريش تتداعى أمام قوة الحق الصامدة، وكذلك فقد انهارت حجة قريش في جمعها للعرب ضد النبي صلى الله عليه وسلم.
لقد نجح النبي صلى الله عليه وسلم بحكمته وذكائه نجاحًا عظيمًا، باستخدام الأساليب الإعلامية والدبلوماسية المتعددة للحصول على الغاية المنشودة، وهي تفتيت جبهة قريش الداخلية، وإيقاع الهزيمة في نفوسهم، وإبعاد حلفائهم عنهم وإن هذه النتيجة لتعد بحق نصرًا ساحقًا حققه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجبهات السياسية والإعلامية والعسكرية( ).
3- سفارة الحُلس بن علقمة:
ثم بعثوا الحلس بن علقمة الكناني سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قوم يتألهون, فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه وأمر برفع الصوت في التلبية، فلما رأى الحلس الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، رجع إلى قريش قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك إعظاما لما رأى( ) فقد كان الوادي مجدبًا لا ماء فيه ولا مرعى، وقد أكل الهدي أوباره من طول الحبس عن محله، ورأى المسلمين وقد استقبلوه رافعين أصواتهم بالتلبية وهم في زي الإحرام، وقد شعثوا من طول المكوث على إحرامهم.. ولذلك استنكر تصرف قريش بشدة، وانصرف سيد بني كنانة عائدًا من حيث أتى دون أن يفاتح النبي صلى الله عليه وسلم بشيء, أو أن يفاوضه كما كان مقررًا من قبل، واعتبر عمل قريش عدوانيًّا ضد زوار بيت الله الحرام، ولا يجوز لأحد أن يؤيدها أو أن يناصرها على ذلك( )، فرجع محتجًّا على قريش التي أعلنت غضبها لصراحة الحلس، وحاولت أن تتلافى هذا الموقف الذي يهدد بانقسام خطير في جبهة قريش العسكرية، ونسف الحلف المعقود بين قريش والأحابيش، وقالوا لزعيم الأحابيش: إنما كل ما رأيت هو مكيدة من محمد وأصحابه، فاكفف عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به( ).
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم عالمًا ومستوعبًا لشخصية الحلس ونفسيته، ويظهر ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: هذا من قوم يتألهون. فالواضح من هذه المعلومة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على معرفة تامة بهذا الرجل، وبحكم هذه المعرفة قد درس شخصيته دراسة موضوعية وذلك بما كان عنده من حب شديد من التعظيم للحرمات والمقدسات والعمل على الاستفادة الكاملة من هذا الجانب في كسب المعركة، وعلى هذا الأساس فقد قام صلى الله عليه وسلم بوضع خطة محكمة مناسبة تقضي بوضع الحقائق كاملة أمام هذا الرجل وإظهار موقف المسلمين أو على الأقل وقوفه على الحياد في هذا الصراع.
والجدير بالذكر أن الحلس كان يتمتع بسمعة طيبة بين العرب جميعًا؛ وذلك لما يتميز به من رجاحة العقل، ولما يتمتع به من مركز ممتاز بوصفه زعيمًا وقائدًا لقوات الأحابيش، كما كان يتمتع باحترام وتقدير من جانب النبي صلى الله عليه وسلم وقريش على حد سواء، لهذا فإنه إذا ما تبين له أن الحق والعدل في جانب المسلمين فإنه يستطيع أن يقوم بدور مهم في إحلال السلام بين الطرفين المتنازعين والعمل على كبح جماح قريش، وإقناعها بالعدول عن موقفها العدائي ضد المسلمين وصدهم عن المسجد الحرام، ومن هنا فقد كانت الدراسة النفسية التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لشخصية الحلس تتناسب كليًا مع المبادئ التي يؤمن بها, وعلى ذلك فقد كانت درجة التأثير والاستجابة الناتجة عن هذه العملية إيجابية تمامًا( ) ومرضية, وهكذا استطاع صلى الله عليه وسلم أن يؤثر على عروة بن مسعود والحلس بن علقمة؛ مما جعل الانشقاق يدب في صفوف مشركي مكة.
يقول الأستاذ العقاد عن قدرة الرسول في توظيف الطاقات وإدارة الصراع: كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم الخبير بتجنيد بعوث الحرب وبعوث الاستطلاع، وكان خبيرًا كذلك بتجنيد كل قوة في يده متى وجب القتال، إن كانت قوة رأي أو قوة لسان أو قوة نفوذ، فما نعرف أن أحدًا وجه قوة الدعوة توجيهًا أشد ولا أنفع في بلوغ الغاية من توجيهه عليه السلام. ثم يضيف الكاتب قائلا: والدعوة في الحرب, كما لا يخفى، لها غرضان أصيلان من بين أغراضها العديدة، أحدهما: إقناع خصمك والناس بحقك، وثانيهما: إضعافه عن قتالك بإضعاف عزمه وإيقاع الشتات بين صفوفه، ثم يقول: وربما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم برجل واحد في هذا الغرض ما لم تبلغه الدول بالفرق المنظمة( ).
4- سفارة مكرز بن حفص:
وكان من سفراء قريش يوم الحديبية مكرز بن حفص، وقد روى البخاري ذلك فقال: فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا مكرز وهو رجل فاجر، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة، أنه لما جاء سهيل بن عمرو، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد سهل لكم من أمركم»( ) ولنا حديث مع سهيل بإذن الله تعالى.
سادسًا: الوفود النبوية إلى قريش ووقوع بعض الأسرى في يد المسلمين:
رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن من الضرورة إرسال مبعوث خاص من جانبه إلى قريش يبلغهم نواياه السلمية بعدم الرغبة في القتال، واحترام المقدسات، ومن ثم أداء مناسك العمرة، والعودة إلى المدينة، فوقع الاختيار على أن يكون مبعوث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قريش (خراش بن أمية الخزاعي) وحمله على جمل يقال له (الثعلب), فلما دخل مكة عقرت به قريش وأرادوا قتل خراش فمنعهم الأحابيش، فعاد خراش بن أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبره بما صنعت قريش, فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرسل سفيرًا آخر بتبليغ قريش رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ووقع اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم في بداية الأمر على عمر بن الخطاب( ), فاعتذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذهاب إليهم، وأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث عثمان مكانه( )، وعرض عمر  رأيه هذا معززًا بالحجة الواضحة، وهي ضرورة توافر الحماية لمن يخالط هؤلاء الأعداء، وحيث إن هذا الأمر لم يكن متحققًا بالنسبة لعمر , فقد أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بعثمان ، لأن له قبيلة تحميه من أذى المشركين حتى يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم( ), وقال لرسول الله: إني أخاف قريشًا على نفسي، قد عرفت عداوتي لها، وليس بها من بني عدي من يمنعني، وإن أحببت يا رسول الله دخلت عليهم( ), فلم يقل رسول الله شيئًا، قال عمر: ولكن أدلك يا رسول الله على رجل أعز بمكة مني، وأكثر عشيرة وأمنع، عثمان بن عفان، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان  فقال: «اذهب إلى قريش فخبرهم أنا لم نأتِ لقتال أحد، وإنما جئنا زوارًا لهذا البيت، معظمين لحرمته، معنا الهدي، ننحره وننصرف» فخرج عثمان بن عفان  حتى أتى بلدح( ), فوجد قريشًا هنالك فقالوا: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم يدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، تدخلون في الدين كافة، فإن الله مظهر دينه ومعز نبيه، وأخرى تكفون ويلي هذا منه غيركم, فإن ظفروا بمحمد فذلك ما أردتم، وإن ظفر محمد كنتم بالخيار أن تدخلوا فيما دخل فيه الناس أو تقاتلوا وأنتم وافرون جامون، إن الحرب قد نهكتكم، وأذهبت بالأماثل منكم.. فجعل عثمان يكلمهم فيأتيهم بما لا يريدون ويقولون: قد سمعنا ما تقول ولا كان هذا أبدًا، ولا دخلها علينا عنوة، فارجع إلى صاحبك فأخبره أنه لا يصل إلينا.
فقام إليه أبان بن سعد بن العاص فرحب به وأجاره, وقال: لا تقصر عن حاجتك، ثم نزل عن فرس كان عليه، فحمل عثمان على السرج وردفه وراءه، فدخل عثمان مكة، فأتى أشرافهم رجلاً رجلاً، أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية وغيرهما, منهم من لقي ببلدح، ومنهم من لقي بمكة، فجعلوا يردون عليه: إن محمدًا لا يدخلها علينا أبدًا( ).
وعرض المشركون على عثمان  أن يطوف بالبيت فأبى( ), وقام عثمان بتبليغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المستضعفين بمكة، وبشرهم بقرب الفرج والمخرج( )، وأخذ منهم رسالة شفهية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء فيها: اقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم منا السلام، إن الذي أنزله بالحديبية لقادر على أن يدخله بطن مكة( ).
واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح، فرمى رجل من أحد الفريقين رجلاً من الفريق الآخر، وكانت معركة، وتراموا بالنبل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما, وارتهن كل واحد من الفريقين بمن فيهم( ). وقد تحدث القرآن الكريم عن ذلك قال تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) [الفتح: 24].
وقد روى مسلم سبب نزول الآية السابقة: أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين، يريدون غرة( ) النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم سلمًا( ) فاستحياهم( ), فأنزل الله عز وجل الآية المذكورة( ).
وهذا سلمة بن الأكوع يحدثنا عما حدث؛ قال: ثم إن المشركين راسلونا الصلح حتى مشى بعضنا في بعض، واصطلحنا قال: وكنت تبيعًا( ) لطلحة بن عبيد الله، أسقي فرسه، وأحسه( ) وأخدمه وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي، مهاجرًا إلى الله ورسوله، قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها( ) فاضطجعت في أصلها، قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبغضتهم فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى منادٍ من أسفل الوادي: يا للمهاجرين قتل ابن زنيم, قال: فاخترطت سيفي( ) ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود، فأخذت سلاحهم فجعلت ضغثًا( ) في يدي قال: ثم قلت: والذي كرم وجه محمد ما يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه( ), قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات( ) يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس مجفف( ) في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه» ( ), فعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله: ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) [الفتح: 24] ( ).
قال ابن كثير: هذا امتنان من الله تعالى على عباده المؤمنين حيث كف أيدي المشركين عنهم, فلم يصل إليهم منهم سوء، وكف أيدي المؤمنين عن المشركين فلم يقاتلوهم عن المسجد الحرام، بل صان كلا من الفريقين وأوجد بينهم صلحًا فيه خير للمؤمنين وعافية في الدنيا والآخرة( ).
سابعًا: بيعة الرضوان:
لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن عثمان  قُتل, دعا رسول الله أصحابه إلى مبايعته على قتال المشركين ومناجزتهم، فاستجاب الصحابة وبايعوه على الموت( ), سوى الجد بن قيس، وذلك لنفاقه( ). وفي رواية أن البيعة كانت على الصبر( ), وفي رواية على عدم الفرار( ), ولا تعارض في ذلك؛ لأن المبايعة على الموت تعني الصبر وعدم الفرار( ).
وكان أول من بايعه على ذلك سنان عبد الله بن وهب الأسدي( ) فخرج الناس بعده يبايعون على بيعته( ), وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات، في أول الناس، وأوسطهم، وآخرهم( ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: «هذه يد عثمان» فضرب بها على يده( ), وكان عدد الصحابة الذين أخذ منهم الرسول صلى الله عليه وسلم المبايعة تحت الشجرة ألفًا وأربعمائة صحابي( ), وقد تحدث القرآن الكريم عن أهل بيعة الرضوان وورد فضلهم في نصوص كثيرة من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية منها:
قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) [الفتح: 10].
وهذه الآية فيها ثناء ومدح عظيم لأهل بيعة الرضوان فقد جعل الله مبايعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم مبايعة له, وفي هذا غاية التشريف والتكريم لهم رضي الله عنهم( ).
وقد ورد الثناء عليهم في السنة المطهرة في أحاديث كثيرة ومن ذلك ما يلي:
أ- من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: «أنتم خير أهل الأرض». وكنا ألفًا وأربعمائة ولو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة( ).
ب- وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أخبرتني أم مبشر: أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها» قالت: بلى يا رسول الله, فانتهرها, فقالت حفصة: ( وَإِن مِنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد قال الله عز وجل: ( وَإِن مِنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا  ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) [مريم: 71، 72].
قال النووي رحمه الله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد, الذين بايعوا تحتها» قال العلماء: معناه لا يدخلها أحد منهم قطعًا، وإنما قال إن شاء الله للتبرك لا للشك، وأما قول حفصة بلى، وانتهار النبي صلى الله عليه وسلم لها فقالت: ( وَإِن مِنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وقد قال: ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ) فيه دليل للمناظرة والجواب على وجه الاسترشاد وهو مقصود حفصة لا أنها أرادت رد مقالته صلى الله عليه وسلم.
والصحيح أن المراد بالورود في الآية المرور على الصراط وهو جسر منصوب على جهنم فيقع فيها أهلها وينجو الآخرون( ).
وحين نمعن النظر في هذا الجيل الفريد مقارنة مع أهل بدر نلاحظ ارتفاع عدد المهاجرين إلى النصف من الجيش، وهذا الارتفاع الهائل في عدد المهاجرين من ثلاثة وثمانين في بدر إلى ثمانمائة كان معظمه من القبائل العربية المجاورة, وهي قبائل صغيرة، إذا قيست بالقبائل الكبرى، لكن شبابها كانوا يفدون إلى المدينة ينضوون تحت لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويتلقون التربية اليومية في المسجد، والتربية العملية في المعارك والغزوات، فيتدربون على الجندية الخالصة ويفقهون دينهم مباشرة من رسول رب العالمين، وينشؤون في ظلال القدوة العليا لهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ويتنافسون في الطاعة والامتثال لأمر الله ورسوله، فنالت قبائلهم بذلك شرفًا ربا على القبائل الكبرى التي تخاذلت في الانضمام للإسلام، فقبيلة أسلم وغفار كانت على رأس هذه القبائل، ويعود الفضل بعد الله في ذلك إلى الرعيل الأول منهم، واللبنات الأولى التي انضمت إلى الدعوة إلى أبي ذر الغفاري الذي كان من السابقين في إسلامه بمكة ومضى داعيًا في قومه حتى جاءه سبعون بيتًا من غفار يؤم بهم المدينة بعد أحد، وإلى بريدة بن الحصيب الأسلمي، الذي تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل دخوله المدينة، فأسلم ومعه سبعون من قومه كذلك( ).
أما القبائل الأخرى من مزينة وجهينة، وأشجع، وخزاعة، فقد بدأ شبابها يفدون إلى المدينة، لكن بأعداد ضئيلة, وبقي كيان القبيلة على الشرك، وبقي أعرابيًا بعيدًا عن محضن التربية العظيم داخل المدينة، فلم يتح له هذا الفضل، والاغتراف من رحيق النبوة؛ ولهذا كانت الآيات التي نزلت في المخلفين من الأعراب كالصواعق على رؤوسهم، لتخلفهم عن الانضمام إلى الجيش الإسلامي الماضي إلى الحديبية( ).
* * *

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://theroadtoparadise.alafdal.net
 
السيرة النبوية الجزء الثاني -21
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الطريق الى الجنة :: السيرة المطهرة-
انتقل الى: