الطريق الى الجنة
اخي الحبيب تقرب الى الله ليتقرب الله اليك
ادعوك للتسجيل في المنتدى وابني مستقبلك

الادارة

الطريق الى الجنة

منتدى اسلامي ثقافي اجتماعي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 السيرة النبوية الجزء الثاني -16

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 99
تاريخ التسجيل : 31/10/2012
العمر : 56

مُساهمةموضوع: السيرة النبوية الجزء الثاني -16   الخميس نوفمبر 01, 2012 1:58 pm


المبحث الثالث
مجيء نصر الله والوصف القرآني لغزوة الأحزاب
أولاً: شدة تضرع الرسول صلى الله عليه وسلم ونزول النصر:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير التضرع والدعاء والاستعانة بالله, وخصوصا في مغازيه، وعندما اشتد الكرب على المسلمين أكثر مما سبق حتى بلغت القلوب الحناجر وزلزلوا زلزالاً شديدًا، فما كان من المسلمين إلا أن توجهوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله هل من شيء نقوله؟ فقد بلغت القلوب الحناجر، فقال: نعم. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ( ). وجاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال: اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم( ), فاستجاب الله سبحانه دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم, فأقبلت بشائر الفرج فقد صرفهم الله بحوله وقوته، وزلزل أبدانهم وقلوبهم، وشتت جمعهم بالخلاف, ثم أرسل عليهم الريح الباردة الشديدة، وألقى الرعب في قلوبهم، وأنزل جنودًا من عنده سبحانه, قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) [الأحزاب: 9].
قال القرطبي -رحمه الله-: وكانت هذه الريح معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين كانوا قريبًا منهم، ولم يكن بينهم إلا عرض الخندق، وكانوا في عافية منها ولا خبر عندهم بها... وبعث الله عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد وقطعت أطناب الفساطيط( ), وأطفأت النيران, وأكفأت القدور, وجالت الخيول بعضها في بعض، وأرسل عليهم الرعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب المعسكر حتى كان سيد كل خباء يقول: يا بني فلان هلم إليَّ فإذا اجتمعوا قال لهم: النجاء النجاء، لما بعث الله عليهم الرعب( ).
وحرص الرسول عليه الصلاة والسلام أن يؤكد لصحبه ثم للمسلمين في الأرض، أن هذه الأحزاب التي تجاوزت عشرة آلاف مقاتل لم تهزم بالقتال من المسلمين، رغم تضحياتهم، ولم تهزم بعبقرية المواجهة، إنما هزمت بالله وحده: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) [الأحزاب: 9]. وعن أبي هريرة  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده»( ).
ودعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه، واعتماده عليه وحده، لا يتناقض أبدا مع التماس الأسباب البشرية للنصر، فقد تعامل صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة مع سنة الأخذ بالأسباب, فبذل جهده لتفريق الأحزاب، وفك الحصار، وغير ذلك من الأمور التي ذكرناها( ).
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا سنة الأخذ بالأسباب, وضرورة الالتجاء إلى الله وإخلاص العبودية له؛ لأنه لا تجدي وسائل القوة كلها إذا لم تتوافر وسيلة التضرع إلى الله والإكثار من الإقبال عليه بالدعاء والاستغاثة, فقد كان الدعاء والتضرع إلى الله من الأعمال المتكررة الدائمة التي فزع إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته كلها( ).
ثانيًا: تحري انصراف الأحزاب:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتابع أمر الأحزاب, وأحب أن يتحرى عما حدث عن قرب فقال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم, جعله الله معي يوم القيامة ( ). فاستعمل صلى الله عليه وسلم أسلوب الترغيب، وكرره ثلاث مرات، وعندما لم يُجْدِ هذا الأسلوب لجأ إلى أسلوب الجزم والحزم في الأمر، فعين واحدًا بنفسه فقال: «قم يا حذيفة فائتنا بخبر القوم، ولا تذعرهم عليَّ» ( ).
وفي هذا معنى تربوي وهو أن القيادة الناجحة هي التي توجه جنودها إلى أهدافها عن طريق الترغيب والتشجيع، ولا تلجأ إلى الأمر والحزم إلا عند الضرورة.
قال حذيفة : فمضيت كأنما أمشي في حمام, فإذا أبو سفيان يصلى ظهره بالنار, فوضعت سهمًا في كبد القوس، وأردت أن أرميه ثم ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تذعرهم عليَّ, ولو رميته لأصبته فرجعت كأنما أمشي في حمام، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصابني البرد حين رجعت وقررت، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وألبسني فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أبرح نائمًا حتى الصبح فلما أن أصبحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قم يا نومان»( ).
ويؤخذ من قصة حذيفة دروس وعبر منها:
1- معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعادن الرجال، حيث اختار حذيفة ليقوم بمهمة التجسس على الأحزاب، وأن معدن حذيفة معدن ثمين فهو شجاع، ولا يقوم بهذه الأعمال إلا من كان ذا شجاعة نادرة, وهو بالإضافة إلى ذلك لبق ذكي خفيف الحركة، سريع التخلص من المآزق الحرجة.
2- الانضباط العسكري الذي يتحلى به حذيفة: لقد مرت فرصة سانحة يقتل فيها قائد الأحزاب وهمَّ بذلك، ولكنه ذكر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يذعرهم، وأن مهمته الإتيان بخبرهم، فنزع سهمه من قوسه( ).
3- كرامات الأولياء: إن ما حدث لحذيفة بن اليمان عندما سار لمعرفة خبر الأحزاب في جو بارد ماطر شديد الريح، وإذا به لا يشعر بهذا الجو البارد، ويمشي وكأنما يمشي في حمام، وتلازمه هذه الحالة مدة بقائه بين الأحزاب وحتى عاد إلى معسكر المسلمين؛ لا شك هذه كرامة يمنُّ الله بها على عباده المؤمنين( ).
4- لطف النبي صلى الله عليه وسلم مع حذيفة عند رجوعه, فقد كان صلى الله عليه وسلم يترفق بأصحابه، ولم تمنعه صلاة الليل وحلاوة المناجاة من التلطف بحذيفة الذي جاء بأحسن الأنباء وأصدق الأخبار وأهمها، فشمله بكسائه الذي يصلي فيه، ليدفئه، وتركه ملفوفًا به حتى أتم صلاته، بل حتى بعد أن أفضى إليه بالمهمة، فلما وجبت المكتوبة أيقظه بلطف وخفة ودعابة قائلا: «قم يا نومان»، دعابة تقطر حلاوة, وتفيض بالحنان، وتسيل رقة، إنها صورة نموذجية للرأفة والرحمة اللتين تحلى بهما فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم, وتطبيق فريد رفيع لهما في أصحابه الكرام( )، وصدق الله العظيم في قوله: ( بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) [التوبة: 128].
5- وتستوقفنا سرعة البديهة لدى الصحابي الكريم، وقد دخل في القوم، كما في رواية الزرقاني، وقال أبو سفيان: ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه، قال حذيفة: فضربت بيدي على يد الذي على يميني فقلت: من أنت؟ قال: معاوية بن أبي سفيان، ثم ضربت بيدي على يد الذي عن شمالي، فقلت: من أنت؟ قال: عمرو بن العاص( ). وهكذا بدرهم بالمسألة حتى لا يتيح لهم فرصة ليسألوه، وبهذا تخلص من هذا المأزق الحرج الذي ربما كان أودى بحياته( ).
ثالثًا: الوصف القرآني لغزوة الأحزاب ونتائجها:
تحدث القرآن الكريم عن غزوة الأحزاب ورد الأمر كله لله سبحانه, وقد سجل القرآن الكريم غزوتي الأحزاب وقريظة، والقرآن كعهدنا به يسجل الخالدات التي تسع الزمان والمكان، فالمسلمون معرضون دائمًا لأن يغزوا في عقر دارهم وفي عواصم بلدانهم، ومعرضون لأن يتكالب عليهم الأعداء جميعًا، فأن يسجل القرآن حادثتي الأحزاب وقريظة فذلك من سمة التكرار على مدى العصور( )؛ لكي يستفيد المسلمون من الدروس والعبر من الحوادث السابقة التي ذكرت في القرآن الكريم على وجه الخصوص. والذي يتدبر حديث القرآن عن غزوة الأحزاب يراه قد اهتم ببيان أمور من أهمها ما يلي:
1- تذكير المؤمنين بنعم الله عليهم, كما قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) [الأحزاب:9].
2- التصوير البديع لما أصاب المسلمين من هم بسبب إحاطة الأحزاب بالمدينة: ( إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا ) [الأحزاب: 10].
3- الكشف عن نوايا المنافقين السيئة، وأخلاقهم الذميمة، وجبنهم الخالع, ومعاذيرهم الباطلة, ونقضهم للعهود, قال تعالى: ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا ) [الأحزاب: 12].
4- حض المؤمنين في كل زمان ومكان على التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله, وجهاده وكل أحواله استجابة لقوله تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا ) [الأحزاب: 21].
5- مدح المؤمنين على مواقفهم النبيلة وهم يواجهون جيوش الأحزاب بإيمان صادق ووفاء بعهد الله تعالى, قال تعالى: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) [الأحزاب: 23].
6- بيان سنة من سنن الله التي لا تتخلف, وهي جعل العاقبة للمؤمنين والهزيمة لأعدائهم, قال تعالى: ( وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ) [الأحزاب: 25].
7- امتنانه سبحانه على عباده المؤمنين حيث نصرهم على بني قريظة, وهم في حصونهم المنيعة بدون قتال يذكر، حيث ألقى سبحانه الرعب في قلوبهم فنزلوا على حكم الله ورسوله( ), قال تعالى: ( وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا  وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا )[الأحزاب: 26، 27].
لقد كانت غزوة الأحزاب من الغزوات الهامة التي خاضها المسلمون ضد أعدائهم وحققوا فيها نتائج مهمة منها:
* انتصار المسلمين, وانهزام أعدائهم, وتفرقهم, ورجوعهم مدحورين بغيظهم قد خابت أمانيهم وآمالهم.
* تغير الموقف لصالح المسلمين, فانقلبوا من موقف الدفاع إلى الهجوم، وقد أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «الآن نغزوهم، ولا يغزوننا, نحن نسير إليهم» ( ).
* كشفت هذه الغزوة يهود بني قريظة وحقدهم على المسلمين وتربص الدوائر بهم، فقد نقضوا عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في أحلك الظروف وأصعبها.
* كشفت غزوة الأحزاب حقيقة صدق إيمان المسلمين وحقيقة المنافقين وحقيقة يهود بني قريظة, فكان الابتلاء بغزوة الأحزاب تمحيصًا للمسلمين وإظهار حقيقة المنافقين واليهود.
* كانت غزوة بني قريظة نتيجة من نتائج غزوة الأحزاب، حيث تم فيها محاسبة يهود بني قريظة الذين نقضوا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم في أحلك الظروف وأقساها( ).
رابعًا: التخلص من بني قريظة:
بعد عودة النبي من الخندق ووضعه السلاح أمر الله تعالى نبيه بقتال بني قريظة، فأمر الحبيب صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتوجه إليهم, وقد أعلمهم بأن الله تعالى قد أرسل جبريل ليزلزل حصونهم ويقذف في قلوبهم الرعب وأوصاهم بأن: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»( ). وضرب المسلمون الحصار على بني قريظة خمسًا وعشرين ليلة( ), ولما اشتد الحصار وعظم البلاء على بني قريظة، أرادوا الاستسلام والنزول على أن يحكِّم الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم سعد بن معاذ  ونزلوا على حكمه, ورأوا أنه سيرأف بهم بسبب الحلف بينهم وبين قومه الأوس، فجيء بسعد محمولاً؛ لأنه كان قد أصابه سهم في ذراعه يوم الخندق, فقضى أن تُقتل المقاتلة، وأن تُسبى النساء والذرية، وأن تُقسم أموالهم، فأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «قضيت بحكم الله»( ) ونفذ حكم الإعدام في أربعمائة في سوق المدينة، حيث حفرت أخاديد وقتلوا فيها بشكل مجموعات، وقد نجا مجموعة قليلة جدا بسبب وفائها للعهد ودخولها في الإسلام، وقسمت أموالهم وذراريهم على المسلمين. وهذا جزاء عادل نزل بمن أراد الغدر وتبرأ من حلفه للمسلمين، وكان جزاؤهم من جنس عملهم, حين عرضوا بخيانتهم أرواح المسلمين للقتل، وأموالهم للنهب، ونساءهم وذراريهم للسبي، فكان أن عوقبوا بذلك جزاء وفاقًا( ).
ولم تقتل من نساء بني قريظة إلا واحدة، ونترك السيدة عائشة -رضي الله عنها- تحدثنا عنها، قالت السيدة عائشة: لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة قالت: والله إنها لعندي تتحدث معي تضحك ظهرًا وبطنًا( ), ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالهم بالسوق إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله، قالت: قلت: ويلك وما لك؟ قالت: أقتل, قلت: ولم؟ قالت: حدثًا أحدثته( ) قالت: فانطلق بها فضربت عنقها، وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: والله ما أنسى عجبي من طيب نفسها، وكثرة ضحكها، وقد عرفت أنها تقتل( ).
بالقضاء على بني قريظة خلت المدينة تمامًا من الوجود اليهودي، وصارت خالصة للمسلمين، وخلت الجبهة الداخلية من عنصر خطر، لديه القدرة على المؤامرة والكيد والمكر، واضمحل حلم قريش؛ لأنها كانت تعول، وتؤمل في يهود بأن يكون لهم موقف ضد المسلمين، وابتعد خطر اليهود الذي كان يمد المنافقين بأسباب التحريض والقوة( ).
إن حماية الجبهة الداخلية للدولة الإسلامية من العابثين منهج نبوي كريم رسمه الحبيب المصطفى للأمة المسلمة.
* * *

المبحث الرابع
فوائد ودروس وعبر
أولاً: المعجزات الحسية لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
ظهرت خلال مرحلة حفر الخندق معجزات حسية للنبي صلى الله عليه وسلم, منها تكثير الطعام الذي أعده جابر بن عبد الله، فعن جابر بن عبد الله  قال: إنا يوم الخندق مُحفِّر( ), فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: «أنا نازل» ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول، فضرب في الكدية فعاد كثيبًا أهيل( ) أو أهيم( ).
قال جابر: فقلت: يا رسول الله، ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ما كان في ذلك صبر, فعندك شيء؟ فقالت: عندي شعير وعناق( ), فذبحت العناق، وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم بالبرمة( ), ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي( ). قد كادت أن تنضج، فقلت: طُعَيمٌ لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال: «كم هو؟» فذكرت له، فقال «كثير طيب», قال: قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي. فقال: «قوموا»، فقام المهاجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحكِ جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم, قالت: هل سألك؟ قلت: نعم، فقال «ادخلوا ولا تضاغطوا»( ) فجعل يكثر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه, ويقرب إلى أصحابه, ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية، قال: «كلي هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة»( ).
وهذه ابنة بشير بن سعد تقول: دعتني أمي عمرة بنت رواحة فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي، ثم قالت: أي بنية، اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما،
قالت: فأخذتها فانطلقت بها, فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألتمس أبي وخالي, فقال: تعالي يا بنية ما هذا معك؟ فقلت: يا رسول الله، هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد، وخالي عبد الله بن رواحة يتغذيانه، قال: هاتيه، قالت: فصببته في كفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط له ثم دعا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغذاء، فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب( ).
ففي هذين الخبرين معجزات حسية ظاهرة للرسول صلى الله عليه وسلم، كما يظهر دور المرأة المسلمة في مشاركة المسلمين في جهادهم، فعندما اشتغل المسلمون بحفر الخندق تركوا أعمالهم، وبعدت عنهم أرزاقهم، وقل عنهم القوت, وأصاب الناس جوع وحرمان حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه يشدون على بطونهم الحجارة من شدة الجوع، فكانت المرأة المسلمة تعين المسلمين بإعداد ما قدرت عليه من الطعام( ).
ومن دلائل النبوة أثناء حفر الخندق إخباره صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر- وهو يحفر معهم الخندق- بأن ستقتله الفئة الباغية, فقتل في صفين وكان في جيش علي( )، وعندما اعترضت صخرة الصحابة وهم يحفرون، ضربها الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاث ضربات فتفتتت قال إثر الضربة الأولى: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة»، ثم ضربها الثانية فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض»، ثم ضرب الثالثة، وقال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة»( ). وقد تحققت هذه البشارة التي أخبرت عن اتساع الفتوحات الإسلامية والإخبار عنها في وقت كان المسلمون فيه محصورين في المدينة يواجهون المشاق والخوف والجوع والبرد القارس( ).
ثانيًا: بين التصور والواقع:
قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله وصحبتموه؟ قال: نعم، يا ابن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال: فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا، فقال حذيفة: يا ابن أخي، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالخندق( )، ثم ذكر حديث تكليفه بمهمة الذهاب إلى معسكر المشركين.
هذا تابعي يلتقي بالصحابي حذيفة ويتخيل أنه لو وجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لاستطاع أن يفعل ما لم يفعله الصحابة الكرام، والخيال شيء والواقع شيء آخر، والصحابة رضي الله عنهم بشر، لهم طاقات البشر، وقدراتهم، وقد قدموا كل من يستطيعون، فلم يبخلوا بالأنفس فضلا عن المال والجهد، وقد وضع صلى الله عليه وسلم الأمور في نصابها بقوله: «خير القرون قرني» فبين أن عملهم لا يعدله عمل.
إن الذين جاءوا من بعد، فوجدوا سلطان الإسلام ممتدًا، وعاشوا في ظل الأمن والرخاء والعدل، بعيدين عن الفتنة والابتلاء، هم بحاجة إلى نقلة بعيدة يستشعرون من خلالها أجواء الماضي بكل ما فيه من جهالات وضلالات وكفر، وبعد ذلك يمكنهم تقدير الجهد المبذول من الصحابة حتى قام الإسلام في الأرض( ).
ثالثًا: سلمان منا أهل البيت( ):
قال المهاجرون يوم الخندق: سلمان منا، وقالت الأنصار: سلمان منا، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: سلمان منا أهل البيت( )، وهذا الوسام النبوي الخالد لسلمان يشعر بأن سلمان من المهاجرين؛ لأن أهل البيت من المهاجرين( ).
رابعًا: الصلاة الوسطى:
قال صلى الله عليه وسلم: «ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس»( ).
وقد استدل طائفة من العلماء بهذا الحديث على كون الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، كما هو منصوص عليه، وألزم القاضي الماوردي مذهب الشافعي بهذا لصحة الحديث، وقد استدل طائفة من العلماء بهذا الصنيع على جواز تأخير الصلاة لعذر القتال كما هو مذهب مكحول والأوزاعي( ).
قال الدكتور البوطي: لقد فاتت النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر كما رأيت في هذه الموقعة، لشدة انشغاله، حتى صلاها قضاء بعدما غربت الشمس. وفي روايات أخرى غير الصحيحين أن الذي فاته أكثر من صلاة واحدة، صلاها تباعًا بعدما خرج وقتها وفرغ لأدائها، وهذا يدل على مشروعية قضاء الفائتة، ولا ينقض هذه الدلالة ما ذهب إليه البعض من أن تأخير الصلاة لمثل ذلك الانشغال كان جائزًا إذ ذاك ثم نسخ حينما شرعت صلاة الخوف للمسلمين رجالاً وركبانًا عند التحام القتال بينهم وبين المشركين، إذ النسخ على فرض صحته ليس واردًا على مشروعية القضاء، وإنما هو وارد على صحة تأخير الصلاة بسبب الانشغال, أي أن نسخ صحة التأخير ليس نسخًا لما كان قد ثبت من مشروعية القضاء أيضًا، بل هي مسكوت عنها, فتبقى على مشروعيتها السابقة( ).
خامسًا: الحلال والحرام:
عرضت قريش فداء مقابل جثة عمرو بن ود، فقال صلى الله عليه وسلم: «ادفعوا إليهم جيفته، فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدية فلم يقبل منهم شيئًا».
حدث هذا والمسلمون في ضنك من العيش، ومع ذلك فالحلال حلال والحرام حرام، إنها مقاييس الإسلام في الحلال والحرام، فأين هذا من الناس المحسوبين على المسلمين الذين يحاولون إيجاد المبررات لأكل الربا وما شابهه؟( )
سادسًا: شجاعة صفية عمة الرسول صلى الله عليه وسلم:
كان صلى الله عليه وسلم قد وضع النساء والأطفال في حصن فارع وهو حصن قوي، حماية لهم؛ لأن المسلمين في شغل عن حمايتهم لمواجهتهم جيوش الأحزاب, فعندما نقض يهود بني قريظة عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت يهوديًّا ليستطلع وضع الحصن الذي فيه نساء المسلمين وأطفالهم, فأبصرته صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت عمودًا ونزلت من الحصن فضربته بالعمود فقتلته، فكان هذا الفعل من صفية رادعًا لليهود من التحرش بهذا الحصن الذي ليس فيه إلا النساء والأطفال، حيث ظنت يهود بني قريظة أنه محمي من قبل الجيش الإسلامي، أو أن فيه على الأقل من يدافع عنه من الرجال( ), ففي هذا الخبر دليل للمرأة في الدفاع عن نفسها إن لم تجد من يدافع عنها( ).
سابعًا: عدم صحة ما يروى عن جبن حسان :
ففي قصة صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلها لليهودي جاء في رواية سندها ضعيف( ) أن صفية -رضي الله عنها- قالت لحسان بن ثابت: إن هذا اليهودي يطيف بالحصن كما ترى، ولا آمنه أن يدل على عورتنا من ورائنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فانزل إليه فاقتله، فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت صفية: فلما قال ذلك، احتجزت عمودًا ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت الحصن، فقلت: يا حسان انزل فاستلبه، فإنه لم يمنعني أن استلبه إلا أنه رجل، فقال: ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب( ).
وهذا الخبر لا يصح لأمور منها:
1- من حيث الإسناد فالخبر ليس مسندًا, وهو ساقط لا يصح ولا يجوز أن يروى، فيساء إلى صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينافح عن الدعوة وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمره كله.
2- لو كان حسان بن ثابت  معروفًا بالجبن الذي ذكر عنه لهجاه أعداؤه ومبغضوه بهذه الخصلة الذميمة, لا سيما الذين كان يهاجيهم، فلم يسلم من هجائه أحد من زعماء الجاهلية، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يؤيده ويدعو له، ويشجعه على هجاء زعماء المشركين( ).
ثامنًا: أول مستشفى إسلامي حربي:
أنشأ المسلمون أول مستشفى إسلامي حربي في غزوة الأحزاب, فقد ضرب الرسول صلوات الله وسلامه عليه خيمة في مسجده الشريف في المدينة، عندما دارت رحى غزوة الأحزاب, فأمر صلى الله عليه وسلم أن تكون رفيدة الأسلمية الأنصارية رئيسة ذلك المستشفى النبوي الحربي، وبذلك أصبحت أول ممرضة عسكرية في الإسلام( ), وجاء في السيرة النبوية لابن هشام:... وكان صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم، يقال لها رفيدة، في مسجده، كانت تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من به ضيعة من المسلمين، وكان صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصاب سعد بن معاذ السهم بالخندق: «اجعلوه في خيمة رفيدة، حتى أعوده من قريب»( ).
ويفهم من النص السابق أن من أصيب من المسلمين إن كان له أهل اعتنى به أهله، وإن لم يكن له أهل، جيء به إلى المسجد حيث ضربت خيمة فيه لمن كانت به ضيعة من المسلمين، وسعد بن معاذ الأوسي، ليس به ضيعة، ولكن لما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم الاطمئنان عليه باستمرار، جعله في تلك الخيمة التي أعدت لمن به ضيعة وليس له أهل، ذلك أن هؤلاء هم في رعاية رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإلا فلم ضربت الخيمة في المسجد، وكان بالإمكان ضربها في أي مكان آخر؟
إن سعد بن معاذ يكرم لمآثره وما بذله في سبيل الله تعالى، فيكون هذا التكريم أن يجعل في خيمة أعدت لمن به ضيعة، وهكذا حينما يرتفع السادة يجعلون مع المغمورين الذين أخلصوا أعمالهم لله تعالى فاستحقوا أن يكونوا في رعاية رسول الله صلى الله عليه وسلم( ), وهذا منهج نبوي كريم أصبح دستورًا للمسلمين على مدى الزمن.
تاسعًا: المسلم يقع في الإثم ولكنه يسارع في التوبة:
أرسل بنو قريظة إلى أبي لبابة بن عبد المنذر -وكانوا حلفاءه- فاستشاروه في النزول على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأشار إلى حلقه يعني الذبح، ثم ندم فتوجه إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فارتبط به حتى تاب الله عليه، وقد ظل مرتبطًا بالجذع في المسجد ست ليالٍ تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله للصلاة ثم يعود فيرتبط في الجذع( )، وقد قال أبو لبابة: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله عليَّ مما صنعت: قالت أم سلمة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر وهو يضحك فقلت: مم تضحك يا رسول الله؟ أضحك الله سنك. قال: تيب على أبي لبابة، قالت: قلت: أفلا أبشره يا رسول الله؟ قال: بلى إن شئتِ، فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب، فقالت: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك قالت: فثار الناس ليطلقوه فقال: لا والله حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقني بيده. فلما مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجًا إلى صلاة الصبح أطلقه( ). وذلك في الاعتراف بالذنب والتوبة النصوح، وإن موطن العبرة في هذا الموقف يكمن في تصرف أبي لبابة بعدما وقعت منه هذه الزلة التي أفشى بها سرًّا حربيًّا خطيرًا، فأبو لبابة لم يحاول التكتم على ما بدر منه والظهور أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين بمظهر الرجل الذي أدى مهمته بنجاح, وأنه لم يحصل منه شيء من المخالفات، وكان بإمكانه أن يخفي هذا الأمر حيث لم يطلع عليه أحد من المسلمين، وأن يستكتم اليهود أمره، ولكنه تذكر رقابة الله عليه وعلمه بما يسر ويعلن، وتذكر حق رسول الله صلى الله عليه وسلم العظيم عليه وهو الذي ائتمنه على ذلك السر، ففزع لهذه الزلة فزعًا عظيمًا( )، وأقر بذنبه واعترف به وبادر إلى العقوبة الذاتية التلقائية، دون انتظار التحقيق وتوقيع العقوبة الواجبة، إنها صورة تطبيقية لقوله تعالى: ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) [النساء: 17].
إنها صورة فريدة لتوقيع العقوبة من الإنسان نفسه على نفسه... ولا يفعل ذلك إلا أهل الإيمان، وما ذلك إلا من آثار الإيمان العميق الراسخ، الذي لا يرضى لصاحبه أن يخالطه إثم أو فسوق. وقد فرح الصحابة وفرح النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، بتوبة الله على أبي لبابة، وتسابقوا إلى تهنئته حتى كانت أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم هي التي بادرت بالتهنئة بعد الإذن فبشرته
بقبول الله توبته( ). وقد أنزل الله تعالى في أبي لبابة قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) [الأنفال: 27]. ونزل في توبته قوله تعالى: ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [التوبة: 102]( ).
عاشرًا: من فضائل سعد بن معاذ :
ظهرت لسعد بن معاذ  في هذه الغزوة فضائل كثيرة تدل على فضله ومنزلته عند الله ورسوله صلى الله عليه وسلم منها:
* استجابة الله تعالى لدعائه عندما قال: (اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليَّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك صلى الله عليه وسلم وأخرجوه، اللهم فإن بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك)، وقد استجيب دعاؤه فتحجر جرحه، وتماثل للشفاء( ) حتى كانت غزوة بني قريظة، وكان سعد قد دعا أيضًا: (ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة( )، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم إليه، فحكم فيهم بالحق ولم تأخذه في الله لومة لائم, وهذا دليل على تجرد قلبه لله تعالى( ).
* ومن إكرام رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله للأنصار عندما جاء سعد للحكم في بني قريظة: «قوموا إلى سيدكم»( ). وهذا تكريم لسعد، وتقدير لشجاعته حيث سماه سيدًا، وأمر بالقيام له( ).
* وعندما نفذ حكم الله في يهود بني قريظة رفع سعد يده يدعو الله ثانية يقول: اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم (يعني قريشًا والمشركين), فإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها واجعل موتي فيها( ), وقد استجيب دعاؤه فانفجر جرحه تلك الليلة ومات رحمه الله( ). ومن خلال دعائه الأول والثاني، نلحظ هذا الدعاء العجيب، دعاء العظماء الذين يعرفون أن رسالتهم في الحياة ليست الاستشهاد فقط، بل متابعة الجهاد إلى اللحظة الأخيرة، فهو المسؤول عن نصرة الإسلام في قومه وأمته( ).
* ونرى من سيرته أنه لو أقسم على الله لأبره، فهو وجيه في السماوات والأرض، فقد شاءت إرادة المولى تعالى أن يعيد الأمر في بني قريظة كله إليه، وأن يطلب بنو قريظة أن يكون الحكم فيهم لسعد بن معاذ.
* إنه لم يحرص كثيرًا على الحياة، بعد انتهاء الجهاد، وانتهاء المسئولية وتأدية الأمانة المناطة به في قيادة قومه لحرب الأحمر والأسود من الناس، فإذا انتهت الحروب ووضعت بين المسلمين وقريش, وشفى غيظ قلبه في الحكم في بني قريظة، وبدا قطف الثمار للإسلام فلا ثمرة أشهى من الشهادة (فافجر جرحى واجعل موتي فيه)( ).وقد تحققت آماله، فقد أصدر حكمه في بني قريظة وشهد مصرع حلفاء الأمس أعداء اليوم، وها هو جرحه ينفجر( ). وعندما انفجر جرحه نقله قومه فاحتملوه إلى بني عبد الأشهل إلى منازلهم، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: انطلقوا فخرج وخرج معه الصحابة، وأسرع حتى تقطعت شسوع نعالهم، وسقطت أرديتهم، فقال: إني أخاف أن تسبقنا الملائكة فتغسله كما غسلت حنظلة، فانتهى إلى البيت وهو يغسل، وأمه تبكيه وتقول:
ويل أم سعد سعدًا حزامــــة وجــــــدًّا
فقال: كل نائحة تكذب إلا أم سعد، ثم خرج به, وقال: يقول له القوم: ما حملنا يا رسول الله ميتًا أخف علينا منه قال: «وما يمنعه أن يخف؟ وقد هبط من الملائكة كذا وكذا لم يهبطوا قط قبل يومهم قد حملوه معكم»( ).
وقد جاء في النسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما عدد الملائكة الذين شاركوا في تشييع جنازة سعد فقد قال صلى الله عليه وسلم: «هذا العبد الصالح الذي تحرك له العرش، وفُتحت أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة, لم ينزلوا إلى الأرض قبل ذلك، لقد ضم ضمة ثم أفرج عنه»( ) يعني سعدًا.
وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يودع سعدًا كما روى عبد الله بن شداد: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكيد نفسه فقال: «جزاك الله خيرًا من سيد قوم، فقد أنجزت ما وعدته، ولينجزك الله ما وعدك»( ).
* لقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على هذا العبد الصالح بعد موته كثيرًا أمام الصحابة ليتعرف الناس على أعماله الصالحة فيتأسوا به( )، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ»( ) وفي حديث البراء بن عازب  قال: أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة حرير فجعل أصحابه يلمسونه ويعجبون من لينها، فقال: «أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين»( ).
ومع كل هذه المآثر والمحاسن والأعمال الجليلة التي قدمها لخدمة دين الله، فقد تعرض لضمة القبر: لما انتهوا إلى قبر سعد  نزل فيه أربعة: الحارث بن أوس، وأسيد بن الحضير، وأبو نائلة سلكان، وسلمة بن سلامة بن وقش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف، فلما وضع في قبره، تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبح ثلاثًا، فسبح المسلمون حتى ارتج البقيع ثم كبَّر ثلاثًا، وكبَّر المسلمون، فسئل عن ذلك فقال: «تضايق على صاحبكم القبر، وضم ضمة لو نجا منها أحد لنجا هو، ثم فرج الله عنه»( ).
إن هذا الصحابي الجليل قد استُشهد وهو في ريعان شبابه، فقد كان في السابعة والثلاثين من عمره، يوم وافته منيته، وهذا يعني أنه قاد قومه إلى الإسلام وهو في الثلاثين من عمره، فقد كانت هذه السيادة في العشرينيات من عمره، وقبل أن يكون على مشارف الثلاثين، وإنما تنفجر الطاقات الكامنة والمواهب بعد سن الأربعين التي هي غاية الرشد قال تعالى: ( وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) [الأحقاف: 15]. فأي طراز هذا الذي حفل تاريخه بهذه المآثر، واستبشر أهل السماوات بقدومه, واهتز عرش الرحمن فرحًا لوفاته، من دون خلق الله أجمعين( ). كان سعد بن معاذ، رجلا أبيض، طوالاً، جميلاً، حسن الوجه، أعين، حسن اللحية( ), رحمة الله عليه ورضي عنه، وأعلى ذكره في المصلحين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://theroadtoparadise.alafdal.net
 
السيرة النبوية الجزء الثاني -16
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الطريق الى الجنة :: السيرة المطهرة-
انتقل الى: