الطريق الى الجنة
اخي الحبيب تقرب الى الله ليتقرب الله اليك
ادعوك للتسجيل في المنتدى وابني مستقبلك

الادارة

الطريق الى الجنة

منتدى اسلامي ثقافي اجتماعي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 السيرة النبوية الجزء الثاني -13

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 99
تاريخ التسجيل : 31/10/2012
العمر : 57

مُساهمةموضوع: السيرة النبوية الجزء الثاني -13   الخميس نوفمبر 01, 2012 1:53 pm

المبحث الرابع
غزوة ذات الرقـــــــــاع
أولاً: تاريخها وأسبابها, ولماذا سميت بذات الرقاع؟:
اختلف أهل المغازي والسير في تاريخ هذه الغزوة، وقد ذهب البخاري( ) إلى أنها كانت بعد خيبر، وذهب ابن إسحاق( ) إلى أنها بعد غزوة بني النضير، وقيل بعد الخندق سنة أربع، وعند الواقدي( ) وابن سعد( ) أنها كانت في المحرم سنة خمس.
وقد ذكر البوطي بأن تاريخ الغزوة كان في السنة الرابعة للهجرة بعد مرور شهر ونصف تقريبًا على إجلاء بني النضير، وقال بأن هذا الرأي ذهب إليه أكثر علماء السير والمغازي( ), وإليه ذهبت.
وأما سبب الغزوة ما ظهر من الغدر لدى كثير من قبائل نجد بالمسلمين، ذلك الغدر الذي تجلى في مقتل أولئك الدعاة السبعين الذين خرجوا يدعون إلى الله تعالى, فخرج صلى الله عليه وسلم قاصدًا قبائل محارب وبني ثعلبة( ). وقد ذكر الدكتور محمد أبو فارس أن قادمًا قدم المدينة فأخبر المسلمين أن بني محارب وبني ثعلبة من غطفان قد جمعوا الجموع لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن سار إليهم في عقر دارهم على رأس أربعمائة مقاتل وقيل سبعمائة مقاتل، ولما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ديارهم خافوا وهربوا إلى رؤوس الجبال، تاركين نساءهم وأطفالهم وأموالهم، وحضرت الصلاة فخاف المسلمون أن يغيروا عليهم، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، وعاد رسول الله إلى المدينة( ).
وقد حققت هذه الحملة العسكرية أغراضها, وتمكنت من تشتيت الحشد الذي قامت به غطفان لغزو المدينة فأرهب تلك القبائل وألقى عليها درسًا بأن المسلمين ليسوا قادرين فقط على سحق من تحدثه نفسه بالاقتراب من المدينة, بل قادرين على نقل المعركة إلى أرض العدو نفسه وضربه في عقر داره( ).
وسميت بذات الرقاع؛ لأنهم كانوا يربطون على أرجلهم من الخرق والرقاع اتقاء الحر، وقيل: لأنهم رقعوا راياتهم, وقيل لشجرة كانت اسمها ذات الرقاع( ), وقيل: لأن المسلمين نزلوا في أرض كان فيها بقع بيض وسود مختلفة، فسميت لذلك( ). والصحيح: أنهم كانوا يربطون على أرجلهم من الخرق، فقد روى الشيخان بسنديهما عن أبي موسى الأشعري قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نتعقبه فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، وكنا نَلُفُّ على أرجلنا الخرق, فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب بالخرق على أرجلنا( ).
ثانيًا: صلاة الخوف وحراسة الثغور:
1- صلاة الخوف: أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في هذه الغزوة, وبيَّن القرآن الكريم صفة الصلاة ساعة مواجهة العدو قال تعالى: ( وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنْتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ) [النساء: 102]. فقد صلى المسلمون صلاة الخوف، وصفة هذه الصلاة أن طائفة صفت معه، وطائفة في وجه العدو، فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت في صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم( ).
وفي رواية: أنه صلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا, وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان( ). قال الدكتور البوطي: ووجه التوفيق بين الحديثين أنه عليه الصلاة والسلام صلى بأصحابه صلاة الخوف أكثر من مرة فصلاها مرة على النحو الأول, وصلاها مرة أخرى على النحو التالي.
وكانت هذه الصلاة بمنطقة نخل التي تبعد عن المدينة بيومين( ), ودل تشريع صلاة الخوف على أهمية الصلاة فحتى في قلب المعركة لا يمكن التساهل فيها، ولا يمكن التنازل عنها، مهما كانت الظروف؛ وبذلك تندمج الصلاة والعبادة بالجهاد وفق المنهاج النبوي في تربية الأمة الذي استمد من كتاب الله تعالى، فلا يوجد أي انفصال أو انفصام بين العبادة والجهاد( ).
2- حراسة الثغور: عندما رجع الجيش الإسلامي من غزوة ذات الرقاع سبوا امرأة من المشركين, فنذر زوجها ألا يرجع حتى يهريق دمًا في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, فجاء ليلاً وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم رجلين على الحراسة أثناء نومهم، وهما عباد بن بشر، وعمار بن ياسر، فضرب عبادًا بسهم وهو قائم يصلي فنزعه، ولم يقطع صلاته، حتى رشقه بثلاثة سهام، فلم ينصرف منها حتى سلم، فأيقظ صاحبه، فقال: سبحانه الله، هل نبهتني؟ فقال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها، فلما تابع عليّ الرمي ركعت فآذنتك, وايمُ الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها( ). ومن هذه الحادثة يمكننا أن نستخلص دروسًا وعبرًا منها:
أ- اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بأمن الجنود, ويظهر ذلك في اختياره رجلين من خيار الصحابة لحراسة الجيش ليلاً.
ب- تقسيم الحراسة، ونلاحظ أن الرجلين اللذين أنيطت بهما حراسة الجيش قد اقتسما الليل نصفين، نصفًا للراحة ونصفًا للحراسة، إذ لا بد من راحة جسم الجندي بعض الوقت.
ج- التعلق بالقرآن الكريم وحب تلاوته: فقد كان حبه للتلاوة قد أنساه آلام السهام التي كانت تنغرس في جسمه وتثج الدم منه بغزارة( ).
د- الشعور بمسئولية الحراسة: فلم يقطع عباد صلاته لألم يشعر به وإنما قطعها استشعارًا بمسئولية الحراسة التي كلف بها، وهذا درس بليغ في مفهوم العبادة والجهاد( ).
هـ- مكان الحراسة استراتيجي: اختار النبي صلى الله عليه وسلم فم الشعب مكان إقامة الحرس، وكان هذا الاختيار في غاية التوفيق؛ لأنه المكان الذي يتوقع العدو منه لمهاجمة المعسكر.
و- قرب مهجع الحرس من الحارس: ولذلك استطاع الحارس أن يوقظ أخاه النائم، ولو كان المهجع بعيدًا عن الحارس لما تمكن من إيقاظ أخيه، وبالتالي يحدث ما لا تحمد عقباه( ).
ثالثا: شجاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومعاملته لجابر بن عبد الله:
1- شجاعة الرسول صلى الله عليه وسلم:
عندما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة ذات الرقاع أدركته القائلة في وادٍ كثير العضاة، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون الشجر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة علق بها سيفه، قال جابر بن عبد الله: (فنمنا نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا، فقال لي: من يمنعك مني؟ فقلت له: الله» فها هو ذا جالس، لم يعاقبه رسول الله, واسم الأعرابي: غورث بن الحارث)( ). وقد عاهد غورث رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يقاتله، ولا يكون مع قوم يقاتلونه، فخلى سبيله، فجاء إلى أصحابه فقال: (جئتكم من عند خير الناس)( ).
وفي هذه القصة دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفرط شجاعته وقوة يقينه وصبره على الأذى وحِلْمه على الجهال، وفيها جواز تفرق العسكر في النزول ونومهم إذا لم يكن هناك ما يخافون منه( ).
إن هذه القصة ثابتة وصحيحة وهي تكشف عن مدى رعاية الباري جل جلاله وحفظه لنبيه صلى الله عليه وسلم، ثم هي تزيدك يقينًا بالخوارق التي أخضعها الله جل جلاله له عليه الصلاة والسلام, مما يزيدك تبصرًا ويقينًا بشخصيته النبوية، فقد كان من السهل الطبيعي بالنسبة لذلك المشرك، وقد أخذ السيف ورفعه فوق النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعزل غارق في غفلة النوم، أن يهوي به عليه فيقتله، وإنك لتلمس من ذلك المشرك هذا الاعتداد بنفسه والزهو بالفرصة الذهبية التي أمكنته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: من يمنعك مني؟ فما الذي طرأ بعد ذلك حتى عاقه عن القتل؟( ).
ليس لهذا تفسير إلا العناية الإلهية، والإعجاز الإلهي، الذي يتخطى العادات والسنن، ويتجاوز قوى الناس، لنصرة نبيه، والذود عن دعوته( ). فقد كانت العناية الإلهية كافية لأن تملأ قلب المشرك بالرعب وأن تقذف في ساعديه تيارًا من الرجفة، فيسقط من يده السيف ثم يجلس متأدبًا مطرقًا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما حدث مصداق لقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) [المائدة: 67], فليست العصمة المقصودة في الآية أن لا يتعرض الرسول صلى الله عليه وسلم لأذى أو محنة من قومه، إذ تلك هي سنة الله في عباده كما قد علمت, وإنما المراد من العصمة ألا تطول إليه أي يد تحاول اغتياله وقتله لتغتال فيه الدعوة الإسلامية التي بعث لتبليغها( ).
2- معاملته صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله:
قال جابر بن عبد الله : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لي ضعيف, فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: جعلت الرفاق تمضي، وجعلت أتخلف، حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما لك يا جابر؟» قال: قلت: يا رسول الله أبطأني جملي هذا، قال: «أنخه» فأنخته، وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال «أعطني هذه العصا من يدك، أو اقطع لي عصا من شجرة» قال: ففعلت، قال: فأخذها رسول الله فنخسه بها نخسات، ثم قال: «اركب» فركبت، فخرج -والذي بعثه بالحق- يواهق ناقته مواهقة (أي يسابقها ويعارضها في المشي لسرعته).
في هذه القصة صورة جميلة ورفيعة لخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه من حيث لطف الحديث، والتواضع الرفيع، الوقوف على أحواله ، فقد شعر الرسول صلى الله عليه وسلم أن سبب تأخر جابر عن الركب هو ضعف جمله الذي لا يملك غيره لبؤس حاله، حيث إن والده مات شهيدًا في أحد وترك له مجموعة من البنات والأولاد ليرعاهم، وهو مقل في الرزق.
* * *

المبحث الخامس
غزوة بدر الموعد، ودومة الجندل
أولاً: غزوة بدر الموعد:
تنفيذًا للموعد الذي كان أبو سفيان قد اقترحه في أعقاب معركة أحد، والتزام الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة على رأس جيش من أصحابه قوامه ألف وخمسمائة مقاتل بينهم عشرة من الخيالة، وذلك في ذي القعدة سنة 4 هـ، وحمل لواء الجيش علي بن أبي طالب , فوصلوا بدرًا فأقاموا فيها ثمانية أيام بانتظار وصول قوات المشركين من قريش بقيادة أبي سفيان بحسب الموعد بين الطرفين، غير أن أحدًا من المشركين لم يصل إلى بدر، وكان أبو سفيان قد جمع قوات قريش وحلفائها التي تألفت من ألفي مقاتل معهم خمسون فرسًا، فلما وصلوا إلى مر الظهران، نزلوا على مياه مجنة على بعد أربعين ميلا من مكة ثم عاد بهم أبو سفيان إلى مكة( ) بعد أن خطب فيهم وقال: يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب وإني راجع فارجعوا( )، وأقبل مخشي بن عمرو الضمري وهو الذي وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني ضمرة في غزوة ودان، فالتقى برسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر وقال: يا محمد أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟ قال: «نعم، يا أخا بني ضمرة، وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك، ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك» قال: لا والله يا محمد ما لنا بذلك منك من حاجة( ).
ففي هذا اللقاء أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم على معنى كبير في إظهار قوة المسلمين، وأن العقد الذي كان بين الفريقين يستمر بعامل قوة المسلمين لا بعامل ضعفهم, وبناء على طلب الطرف الثاني, وفي هذا ما فيه من القوة للمسلمين وإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم( ). لقد كانت تحركات الجيش الإسلامي من المدينة حتى بدر مناورة رائعة ناجحة أثبت بها وجوده, وأعطى الدليل القاطع لأعداء الإسلام داخل المدينة وخارجها، أنه أصبح أقوى قوة مرهوبة في الجزيرة العربية كلها، ولا أدل على ذلك من أن جيش مكة وهو من أعظم الجيوش في الجزيرة من حيث كثرة العدد وقوة التنظيم وجودة التسلح قد هاب الجيش الإسلامي ونكل عن حربه بعد أن خرج للقائه بموجب ميعاد سابق حدده (في أحد) قائد عام جيش مكة( ).
إن الحملة الإعلامية التي قام بها المشركون لإثبات انتصارهم في أحد وتفوقهم الحربي قد انتكست على رؤوسهم, وأصبحوا مثار السخرية عند العرب، وثبت للناس أن ارتباك المسلمين للمفاجأة في أحد وسقوط القتلى منهم لا يعني انهزامهم ولا ضعفهم العسكري( ), فقد ساهمت هذه الغزوة في المحافظة على السمعة العسكرية للمسلمين( ), وكسبوا انتصارًا معنويًا عظيمًا على أعدائهم بدون قتال، وشاركوا في الموسم التجاري ببدر وربحوا في تجارتهم ربحًا طيبًا( ).
لقد كان لإخلاف قريش الموعد أثر في تقوية مكانة المسلمين وإعادة هيبتهم( ).
ثانيًا: دومة الجندل:
كانت غزوة دومة الجندل من ضمن حركة تثبيت أركان الدولة الإسلامية, فبعد غزوة بدر الموعد، تحركت القوات الإسلامية بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو قضاعة التي كانت تنزل شمال قبائل أسد وغطفان، وفي حدود الغساسنة الموالين للدولة الرومية (بيزنطة) ولها إشراف على سوق (دومة الجندل) الشهير (على بعد 450 كيلومترًا شمال المدينة), كانت هذه القبيلة أول من احتك بها المسلمون فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة المعروفة بغزوة دومة الجندل (ربيع الأول 5هـ/ أغسطس 626م)( ) فقد وصلت الأنباء إلى المدينة بتجمع بعض القبائل عند دومة الجندل للإغارة على القوافل التي تمر بهم، والتعرض لمن في القافلة بالأذى والظلم، كما وردت الأنباء بأنهم يفكرون في القرب من المدينة لعجم عودها( ).
إن دومة الجندل تعتبر بلادًا نائية بالنسبة للمدينة المنورة؛ لأنها تقع على الحدود بين الحجاز والشام، وفي منتصف الطريق بين البحر الأحمر والخليج العربي، وهي على مسيرة ست عشرة ليلة من المدينة، ولو أن المسلمين أغفلوا أمرها، وسكتوا على وجود هذا التجمع فيها ما لامهم أحد ولا ضرهم هذا التجمع في شيء على المدى القريب, ولكن النظرة السياسية البعيدة والعقلية العسكرية الفذة أوجبت على المسلمين أن يتحركوا لفض هذا التجمع( ) والقضاء عليه قبل أن يستفحل شأنه للأسباب الآتية، وكذلك بغية تحقيق بعض الأهداف:
1- لأن السكوت على هذا التجمع وما شاكله يؤدي بلا شك إلى تطوره واستفحاله، ثم يؤدي بعد ذلك إلى إضعاف قوة المسلمين وإسقاط هيبتهم، وهو الأمر الذي يجاهدون من أجل استرداده.
2- وجود مثل هذا التجمع في الطريق إلى الشام قد يؤثر على الوضع الاقتصادي للمسلمين، فلو أن المسلمين سكتوا على هذا التجمع لتعرضت قوافلهم أو قوافل القبائل التي تحتمي بهم للسلب والنهب, مما يضعف الاقتصاد، ويؤدي إلى حالة من التذمر والاضطراب.
3- وهناك أمر أهم من الأمرين السابقين وهو فرض نفوذ المسلمين على هذه المنطقة كلها، وإشعار سكانها بأنهم في حمايتهم وتحت مسئوليتهم، لذلك فهم يؤمنون لهم الطرق، ويحمون لهم تجارتهم, ويحاربون كل إرهاب من شأنه أن يزعجهم أو يعرضهم للخطر( ).
4- حرمان قريش من أي حليف تجاري قد يمدها بما تحتاج من التجارة، وصرف أنظارهم عن هذه المنطقة التجارية الهامة؛ لأن ظهور الدولة الإسلامية بهذه القوة يؤثر على نفسية قريش العدو الأول للدولة الإسلامية, ويجعلها تخشى المسلمين على تجارتها( ).
5- الحرص على إزالة الرهبة النفسية عند العرب الذين ما كانوا يحلمون بمواجهة الروم، والتأكيد عمليًا للمسلمين بأن رسالتهم عالمية( ) وليست مقصورة على العرب. ورأى بعض المؤرخين كالذهبي، والواقدي، ومحمد أحمد باشميل، وغيرهم أن من أهداف تلك الغزوة إرهاب الروم الذين تقع المنطقة التي وصل إليها صلى الله عليه وسلم بجيشه على حدودهم وعلى مسافة خمس ليالٍ من عاصمة ملكهم الثانية دمشق( ). لهذا ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين للخروج وخرج في ألف من أصحابه, وكان يسير الليل، ويكمن النهار حتى يخفي مسيره( ), ولا تشيع أخباره وتنقل أسراره، وتتعقبه عيون الأعداء( ).
واتخذ له دليلاً من بني عذرة يسمى (مذكورًا)، وسار حتى دنا من القوم, عندئذ تفرقوا، ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أحدًا فقد ولوا مدبرين، وتركوا نعمهم وماشيتهم غنيمة باردة للمسلمين, وأسر المسلمون رجلا منهم، وأحضروه إلى الرسول فسأله عنهم، فقال: هربوا لما سمعوا بأنك أخذت نعمهم، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام فأسلم وأقام بساحتهم أيامًا، وبعث البعوث، وبث السرايا, وفرق الجيوش، فلم يصب منهم أحد, وعاد المسلمون إلى المدينة، وفي أثناء عودتهم وادع الرسول عيينة بن حصن الفزاري واستأذن عيينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن ترعى إبله وغنمه في أرض قريبة من المدينة على ستة وثلاثين ميلا منها.
إن وصول جيوش المسلمين إلى دومة الجندل، وهي على هذه المسافة البعيدة من المدينة وموادعة عيينة بن حصن للمسلمين، واستئذانه في أن يرعى بإبله وغنمه في أرض بينها وبين المدينة ستة وثلاثون ميلا، أي ما يقرب من خمسة وستين كيلومترًا، لدليل قاطع على ما وصلت إليه قوة المسلمين، وعلى شعورهم بالمسئولية الكاملة تجاه تأمين الحياة للناس في هذه المنطقة، وأَن هذه المناطق النائية كانت ضمن الدولة الإسلامية، وإن الدولة أصبحت منيعة، ليس في مقدور أحد أن يعتدي عليها، ولو كان ذلك في استطاعة أحد لكان هو عيينة بن حصن الذي كان يغضب لغضبه عشرة آلاف فتى( ).
كانت غزوة دومة الجندل بعيدة عن المدينة من جهة الشام، إذ بينها وبين دمشق ما لا يزيد عن خمس ليالٍ، وقد كانت بمثابة إعلان عن دعوة الإسلام بين سكان البوادي الشمالية وأطراف الشام الجنوبية، وأحسوا بقوة الإسلام وسطوته, كما كانت لقيصر وجنده، كما أن سير الجيش الإسلامي هذه المسافات الطويلة قد كان فيه تدريب له على السير إلى الجهات النائية، وفي أرض لم يعهدها من قبل, ولذلك تعتبر هذه الغزوة فاتحة سير الجيوش الإسلامية للفتوحات العظيمة في بلاد آسيا وأفريقيا فيما بعد( ).
كان خطة الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة ترمي إلى أهداف عديدة، فهي غزوة، وحرب استطلاعية تمسح الجزيرة العربية، وتتعرف على مراكز القوى فيها، وهي حرب إعلامية تأتي على أعقاب بدر الموعد، وتستثمر انتصاراتها، وهي حرب عسكرية تريد أن تصد هجومًا محتملاً على المسلمين حيث ضوى إليها قوم من العرب كثير يريدون أن يدنوا من المدينة، وهي حرب سياسية تريد أن تجهض من تحركات القبائل المحتمل أن تتحرك بعد أنباء غزوة أحد لتقصد المدينة وتسبيحها( ).
كانت هذه الغزوة دورة تربوية رائعة وقاسية وشاملة يقودها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يديه ألف من أصحابه، فيتلقون فيها كل لحظة دروسًا في الطاعة والانضباط، ودروسًا في التدريب الجسمي والعسكري والتحمل لمشاق الحياة وصعوباتها، وأحكامًا وفقهًا في الحلال والحرام، وعمليات صهر وتذويب لقواعد الجيش الإسلامي في بوتقة واحدة خارج إطار العشيرة، وخارج كيان القبيلة، حيث أخذت تفد إلى المدينة عناصر كثيرة من أبناء القبائل المجاورة، والتخلي عن الأطر القبلية وعصاباتها للانصهار في بوتقة الأمة الواحدة التي تجعل الولاء لله ورسوله, وفوق هذا كله تتيح الفرصة لجيل بدر الرائد أن يقوم بمهمة التربية للوافدين الجدد وتعليمهم وتثقيفهم، كما تتيح الفرصة لكشف ضعاف النفوس، ومن له صلة بمعسكر النفاق من خلال مراقبة تصرفاته وسلوكه، إنها ليست ساعات محدودة أو أيامًا معدودة, بل هي دورة قرابة شهر، لا يمكن إلا أن تبرز فيها كل الطبائع وكل النوازع، فيتلقاها عليه الصلاة والسلام ليصوغها على ضوء الإسلام ويعلم الجيل الرائد فن القيادة وعظمة السياسة.
كانت معركة صامتة، وتربية هادئة، وكان الجيش مع قائده يقطع ما ينوف عن ألف ميل في هذه الصحراء، يتربى ويتثقف ويتدرب ويمتحن ويقوم, ليكون هذا استعدادًا لمعارك قادمة( ). وفي غيابه في غزوة دومة الجندل عين صلى الله عليه وسلم سباع بن عرفطة الغفاري واليًا على المدينة في تجربة جديدة، فهو ليس أوسيًّا ولا خزرجيًّا ولا قرشيًا, بل من غفار التي كانت تعتبر من سراق الحجيج عند العرب، فلا بد لهذا الجيل أن يتربى على الطاعة والانضباط للأمير أيا كان شأن هذا الأمير، وهذا يدل على عظمة المنهج النبوي في تربية الأمة والارتقاء بها, وعلى عظمة قيادة النبي صلى الله عليه وسلم وفراسته في أتباعه وثقته فيهم ومعرفته لمواهبهم، فهو صلى الله عليه وسلم على معرفة بكفاءة سباع بن عرفطة الغفاري وعبقريته وقدرته على الإدارة الحازمة، فكان صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه وهو غائب عن المدينة لكي يهيمن منهج رب العالمين على المسلمين, ويصنع منها أمة واحدة تسمع وتطيع لكتاب ربها وسنة نبيها( ).
* * ¬*

المبحث السادس
غــــزوة بني المصطلــــق
أولاً: من هم بنو المصطلق؟ ومتى وقعت الغزوة وأسبابها؟:
1- بنو المصطلق: هم بطن( ) من خزاعة, والمصطلق( ) جدهم, وهو جذيمة بن سعد ابن عمرو بن ربيعة ابن حارثة بن عمرو بن عامر ماء السماء( ).
2- تاريخ الغزوة: اختلف العلماء في ذلك, وانحصرت أقوالهم فيها في ثلاثة أقوال، فمن قائل إنها في شعبان سنة ست، قال بذلك ابن إسحاق وخليفة بن خياط، وابن جرير الطبري. ومن قال بأنها في شعبان من العام الرابع للهجرة، مثل المسعودي.
وذهبت طائفة إلى أنها كانت في شعبان من السنة الخامسة، منهم موسى بن عقبة، وابن سعد، وابن قتيبة، والبلاذري، والذهبي، وابن القيم، وابن حجر العسقلاني، وابن كثير -رحمهم الله- ومن المحدثين الخضري بك، والغزالي، والبوطي.
وقد كانت وفاة سعد بن معاذ في أعقاب غزوة بني قريظة، وغزوة بني قريظة كانت في ذي القعدة من السنة الخامسة على القول الراجح, فيتعين أن تكون غزوة بني المصطلق قبلها( ).
3- أسباب هذه الغزوة: من أهم الأسباب لهذه الغزوة:
أ- تأييد هذه القبيلة لقريش واشتراكها معها في معركة أحد ضد المسلمين، ضمن كتلة الأحابيش التي اشتركت في المعركة تأييدًا لقريش.
ب- سيطرة هذه القبيلة على الخط الرئيسي المؤدي إلى مكة، فكانت حاجزًا منيعًا من نفوذ المسلمين إلى مكة( ).
ج- أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني المصطلق يجمعون له، وكان قائدهم الحارث بن أبي ضرار ينظم جموعهم، فلما سمع بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له: المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فهزمهم شر هزيمة( ).
4- أحداث غزوة بني المصطلق: عندما شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحركة بني المصطلق المريبة أرسل بريدة بن الحصيب الأسلمي للتأكد من نيتهم، وأظهر لهم بريدة أنه جاء لعونهم فتأكد من قصدهم، فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك.
وفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر شعبان من السنة الخامسة للهجرة خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة في سبعمائة مقاتل( ), وثلاثين فارسًا( ), متوجهًا إلى بني المصطلق، ولما كان بنو المصطلق ممن بلغتهم دعوة الإسلام، واشتركوا مع الكفار في غزوة أحد، وكانوا يجمعون الجموع لحرب المسلمين، فقد روى البخاري( ) ومسلم( ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغار عليهم وهم غارون -أي غافلون- وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية بنت الحارث( ).
ثانيا: زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من جويرية بنت الحارث رضي الله عنها:
قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق، وكان من بين الأسرى جويرية بنت الحارث، وكانت بركة على قومها, ولنسمع قصتها من السيدة عائشة رضي الله عنها حيث قالت: (لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في سهم لثابت بن قيس بن شماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتستعينه في كتابتها.
قالت: فوالله ما هو أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت، فدخلتْ عليه فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لا يخفى عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو -لابن عم له- فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي. قال: «فهل لك في خير من ذلك؟».
قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «أقض عنك كتابك وأتزوجك». قالت: نعم يا رسول الله، قد فعلت. قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج جويرية بنت الحارث. فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا ما بأيديهم. قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها( ). وجاء الحارث بن أبي ضرار بعد الوقعة، بفداء ابنته, إلى المدينة، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فأسلم( ).
تعتبر غزوة المريسيع من الغزوات الفريدة المباركة التي أسلمت عقبها قبيلة بأسرها، وكان الحدث الذي أسلمت القبيلة من أجله هو أن الصحابة حرروا وردوا الأسرى الذين أصابوهم إلى ذويهم بعد أن تملكوهم باليمين في قسم الغنائم، واستكثروا على أنفسهم أن يتملكوا أصهار نبيهم عليه الصلاة والسلام، وحيال هذا العتق الجماعي، وإزاء هذه الأريحية الفذة، دخلت القبيلة كلها في دين الله.
إن مرد هذا الحدث التاريخي وسببه البعيد، هو حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم, وتكريمهم إياه، وإكبارهم شخصه العظيم، وكذلك يؤتي الحب النبوي هذه الثمار الطيبة، ويصنع هذه المآثر الفريدة في التاريخ.
لقد كان زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من جويرية بنت الحارث له أبعاده، وتحققت تلك الأبعاد بإسلام قومها، فقد كان الزواج منها من أهدافه الطمع في إسلام قومها، وبذلك يكثر سواد المسلمين، ويعز الإسلام، وهذه مصلحة إسلامية بعيدة, يسر الله هذا الزواج، وباركه، وحقق الأمل البعيد المنشود من ورائه، فأسلمت القبيلة كلها بإسلام جويرية، وإسلام أبيها الحارث، فقد عاد هذا الزواج على المسلمين بالبركة والقوة، والدعم المادي والأدبي معًا للإسلام والمسلمين( ).
أصبحت جويرية بنت الحارث زوجة لسيد المرسلين وأمًّا للمؤمنين، فكانت رضي الله عنها عالمة بما تسمع، وعاملة بما تعلم، فقيهة عابدة، تقية ورعة، نقية الفؤاد, مضيئة العقل، مشرقة الروح، تحب الله ورسوله، وتحب الخير للمسلمين.
وكانت رضي الله عنها تروي من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ناقلة لحقائق الدين من خزائنها عند من تنزلت عليه صلى الله عليه وسلم، يرويه عنها سدنة العلم من علماء الصحابة رضي الله عنهم، لينشروه في المجتمع المسلم علمًا وعملاً، وفي عامة المجتمع الإنساني دعوة وهداية( ). فقد حدَّث عنها ابن عباس، وعبيد بن السباق، وكريب مولى ابن عباس ومجاهد، وأبو أيوب يحيى بن مالك الأزدي. بلغ مسندها في كتاب بقي بن مخلد سبعة أحاديث( ), منها أربعة في الكتب الستة، عند البخاري حديث، وعند مسلم حديثان، وقد تضمنت مروياتها أحاديث في الصوم في عدم تخصيص يوم الجمعة بالصوم، وحديث في الدعوات في ثواب التسبيح، وفي الزكاة في إباحة الهدية للنبي صلى الله عليه وسلم وإن كان المهدي ملكها بطريق الصدقة، كما روت في العتق، وبسبعة أحاديث شريفة خلدت أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها اسمها في عالم الرواية، لتضيف إلى شرف صحبتها للنبي صلى الله عليه وسلم وأمومتها للمسلمين، تبليغها الأمة سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم ما تيسر لها ذلك( ).
وكانت أم المؤمنين جويرية بنت الحارث -رضي الله عنها- من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات والقانتات الصابرات في مجال مناجاة الله تعالى وتحميده وتقديسه وتسبيحه( ), فهذه أم المؤمنين جويرية تحدثنا عن ذلك فتقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها( ), ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: «ما زلت على الحال التي فارقتُكِ عليها؟» قالت: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد قلت بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن، سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته»( ).
وقد توفيت رضي الله عنها سنة خمسين، وقيل: ست وخمسين( ).
ثالثًا: محاولة المنافقين في هذه الغزوة إثارة الفتنة بين المهاجرين والأنصار:
خرج في غزوة بني المصطلق عدد كبير من المنافقين مع المسلمين، وكان يغلب عليهم التخلف في الغزوات السابقة، لكنهم لما رأوا اطراد النصر للمسلمين خرجوا طمعًا في الغنيمة( ). وعند ماء المريسيع كشف المنافقون عن الحقد الذي يضمرونه للإسلام والمسلمين، فكلما كسب الإسلام نصرًا جديدًا ازدادوا غيظًا على غيظهم, وقلوبهم تتطلع إلى اليوم الذي يهزم فيه المسلمون لتشفى من الغل، فلما انتصر المسلمون في المريسيع سعى المنافقون إلى إثارة العصبية بين المهاجرين والأنصار، فلما أخفقت المحاولة سعوا إلى إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم في نفسه وأهل بيته, فشنوا حربًا نفسية مريرة من خلال حادثة الإفك التي اختلقوها، ولنترك الصحابي زيد بن أرقم وهو شاهد عيان ومشارك في الحادث الأول يحكي خبر ذلك( ), قال: (كنت في غزاة( ) فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي( ), فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه, فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك؟ فأنزل الله تعالى: ( إذا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) [المنافقين: 1] فبعث إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ، فقال: «إن الله قد صدقك يا زيد»( ).
ويحكي شاهد عيان آخر هو جابر بن عبد الله الأنصاري ما حدث عند ماء المريسيع، وأدى إلى كلام المنافقين لإثارة العصبية وتمزيق وحدة المسلمين، قال: (كنا في غزاة فكسع( ) رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما بال دعوى الجاهلية؟».
قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار فقال: «دعوها فإنها منتنة» فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»( ).
وفي رواية قال عمر بن الخطاب: مُرْ به عباد بن بشر فليقتله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، لا، ولكن أذن بالرحيل»، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها، فارتحل الناس( ).
وقد مشى عبد الله بن أبي ابن سلول إلى رسول الله حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمعه منه، فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به، فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه. فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقيه أسيد بن حضير، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه ثم قال: يا نبي الله لقد رحت في ساعة منكرة، ما كنت تروح في مثلها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو بلغك ما قال صاحبكم؟». قال: وأي صاحب يا رسول الله؟ قال: «عبد الله بن أبي؟» قال: وما قال؟ قال: «زعم إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل». قال: فأنت يا رسول الله تخرجه منها إن شئت، هو الذليل وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه, فإنه يرى أنك استلبت ملكه. ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نيامًا.
وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن أبي، ونزلت السورة التي ذكر فيها المنافقون في ابن أبي ومن كان على مثل أمره، فلما نزلت أخذ رسول الله بأذن زيد بن أرقم، ثم قال: هذا الذي أوفى الله بأذنه( ). إن هذه الحادثة من السيرة النبوية العطرة مليئة بالدروس والعبر، فمن أهم تلك الدروس:
1- الحفاظ على السمعة السياسية ووحدة الصف الداخلية:
وهذا الدرس يظهر في قوله صلى الله عليه وسلم: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟( ).
إنها المحافظة التامة على السمعة السياسية، والفرق كبير جدًّا بين أن يتحدث الناس عن حب أصحاب محمدٍ محمدًا، ويؤكدون على ذلك بلسان قائدهم الأكبر أبي سفيان: ما رأيت أحدًا يحب أحدًا كحبِّ أصحابِ محمدٍ محمدًا( )، وبين أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، ولا شك أن وراء ذلك محاولات ضخمة ستتم في محاولة الدخول إلى الصف الداخلي في المدينة من العدو، بينما هم يائسون الآن من قدرتهم على شيء أمام ذلك الحب وتلك التضحيات( ).
ولم يقف النبي صلى الله عليه وسلم موقفًا سلبيًّا حيال تلك المؤامرة التي تزعمها ابن سلول لتصديع الصف المسلم، وإحياء نعرات الجاهلية في وسطه, بل اتخذ إزاءها الخطوة الإيجابية التالية:
أ- سار رسول الله بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم الثاني حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما( ).
وبهذا التصرف البالغ الغاية في السياسة الرشيدة قضى على الفتنة قضاء مبرمًا، ولم يدع مجالا للحديث فيما قال ابن أبي.
ب- لم يواجه النبي صلى الله عليه وسلم ابن سلول ومؤامراته المدبرة بالقوة واستعمال السلاح حرصًا على وحدة الصف المسلم، وذلك لأن لابن أبي أتباعًا وشيعة مسلمين مغرورين، ولو فتك به لأرعدت له أنوف، وغضب له رجال متحمسون له، وقد يدفعهم تحمسهم له إلى تقطيع الوحدة المسلمة، وليس في ذلك أي مصلحة للمسلمين ولا للإسلام، وإنها لسياسة شرعية حكيمة رشيدة في معالجة المواقف العصبية في حزم وقوة أعصاب وبُعد نظر( ). وهذه البراعة في الحكمة والسياسة وتدبير الأمور متفرعة عن كونه صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولاً إلى الناس( ) لكي تقتدي به الأمة في تصرفاته العظيمة.
وقد كان لتسامح الرسول صلى الله عليه وسلم مع رأس المنافقين أبعد الآثار فيما بعد، فقد كان ابن أبي ابن سلول كلما أحدث حدثًا كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه، ويعنفونه، ويعرضون قتله على النبي صلى الله عليه وسلم، والرسول يأبى ويصفح، فأراد رسول الله أن يكشف لسيف الحق عن آثار سياسته الحكيمة، فقال: «كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلتَ لي لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم لقتلته» فقال عمر: قد –والله- علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري( ).
2- (بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا):
كان لابن أبي ابن سلول ولد مؤمن مخلص يسمى عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، فلما علم بالأحداث ونزول السورة، أتى رسول الله فقال له: (يا رسول الله، بلغني أنك تريد قتل أبي ابن سلول فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا، فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبر بوالده مني، وإني لأخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي بين الناس، فأقتله، فأقتل رجلاً مؤمنًا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا» ( ). ولما وصل المسلمون مشارف المدينة تصدى عبد الله لأبيه عبد الله بن أبي، وقال له: قف فوالله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذنه في ذلك، فأذن له( ).
3- مثل أعلى في الإيمان:
جسَّده عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول في موقفه من والده، وتقديمه وإخلاصه لله ولرسوله، وتقديم محبتهما ومراضيهما على محبة ومراضي الأبوة( ). لقد ضرب الابن أروع مثل في الإيمان والتضحية بعاطفة الأبوة، فقابله صلى الله عليه وسلم صاحب القلب الكبير والخلق العظيم بمثل رفيع في العفو والرحمة وحسن الصحبة «بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا» يا لروعة العفو، ويا لجلال العظمة النبوية( ), فقد تلطف النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الصحابي الجليل، وهدَّأ من روعه، وأذهب هواجسه( ).
4- محاربة العصبية الجاهلية:
إن العصبية الممقوتة والتي نصفها بالجاهلية غير مقصورة على العصبية القبلية أي الاشتراك في النسب الواحد، نسب القبيلة التي ينتمون إليها, وإنما الاشتراك في معنى أو وصف معين يجعل المشتركين فيه يتعاونون ويتناصرون فيما بينهم بالحق وبالباطل، ويكون ولاؤهم فيما بينهم على أساس هذا المعنى أو الوصف المشترك، فعندما كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، قال الأنصاري: يا للأنصار, وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما بال دعوى الجاهلية؟» قالوا: رجل من المهاجرين كسع رجلا من الأنصار, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوها فإنها منتنة»( ), ووجه الدلالة بهذا الخبر، أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر هذه المناداة لما تشعره من معنى العصبية، مع أن المنادي استعمل اسمًا استعمله القرآن وهو (المهاجرين) (والأنصار). فالمهاجري استنصر بالمهاجرين مع أنه هو الذي كسع، فكأنه بندائه هذا يريد عونهم، لاشتراكه وإياهم بمعنى واحد وهو (المهاجرة)، وكذلك الأنصاري استنصر بالأنصار؛ لأنه منهم ويشترك وإياهم بوصف واحد ومعنى واحد وهو مدلول كلمة (الأنصار), وكان حق الاثنين -إذا كان لا بد من الاستنصار بالغير- أن يكون الاستنصار بالمسلمين جميعًا، وعلى هذا فالمطلوب من الدعاة التأكيد على نبذ العصبية بجميع أنواعها سواء كانت عصبية تقوم على أساس الاشتراك بالقبيلة الواحدة، أو على أي أساس آخر، من بلد, أو مذهب، أو حزب، أو عرق، أو لون، أو دم، أو جنس، وأن يكون الولاء والتناصر على أساس الاشتراك بالأخوة الإسلامية التي أقامها وأثبتها واعتبرها الله تعالى بين المسلمين بقوله تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) [الحجرات: 10]. وأن يكون التناصر فيما بينهم تناصرًا على الحق لا على الباطل بمعنى أن ينصروا المحق، وأن يكونوا معه, لا مع المعتدي( ).
لقد أوضح الرسول صلى الله عليه وسلم أن العصبيات هي من دعاوى الجاهلية، وقال: «لينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا، إن كان ظالمًا فلينهه فإنه له نصر، وإن كان مظلومًا فلينصره» ( ) فجعل التناصر في طلب الحق والإنصاف وأبطل المفهوم الجاهلي: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا( ).
إن مهمة الدعاة وطلاب العلم والعلماء والفقهاء في التخلص من العصبية، ودعوة المسلمين إلى نبذها, كما أمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مهمة صعبة، ولكنها ليست مستحيلة، ولأهميتها الكبيرة علينا أن نبذل ما في وسعنا لقلعها من النفوس( ).
رابعًا: توجيه القرآن الكريم للمجتمع الإسلامي في أعقاب غزوة بني المصطلق:
نزلت سورة (المنافقون) في أعقاب غزوة بني المصطلق، حيث كان المسلمون راجعين إلى المدينة, وذلك بدليل رواية الإمام الترمذي (فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقون)( ). فقد تحدثت السورة بإسهاب عن المنافقين، وأشارت إلى بعض الحوادث والأقوال التي وقعت منهم ورويت عنهم وفضحت أكاذيبهم، إلا أنها في الختام حذرت المؤمنين من الانشغال بزينة الدنيا ومتاعها، وحثت على الإنفاق, ويمكن لدارس هذه السورة أن يلاحظ عدة محاور مهمة منها:
1- تحدثت السورة الكريمة في البدء عن أخلاق المنافقين، وفضحت كذبهم في أقوالهم ووصفت حالهم( )؛ فابتدأت هذه السورة بإيراد صفات المنافقين التي من أهمها الكذب في ادعاء الإيمان، وحلف الإيمان الكاذبة، وجبنهم وضعفهم وتآمرهم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين, وصدهم الناس عن دين الله( ), قال تعالى: ( إذا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ  اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ  وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) [المنافقون: 1-4].
2- ثم بينت الآيات عنادهم وتصميمهم على الباطل، وعصيانهم لمن يدعوهم إلى الحق وبينت مقالاتهم الشنيعة بالتفصيل خاصة ما قالوه في غزوة بني المصطلق من أنهم سيطردون الرسول والمؤمنين من المدينة، وأن العزة لهم، إلى غير ذلك من الأقوال العظيمة الفظيعة( ).
قال تعالى: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ  سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَّغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ  هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَللهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ  يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إلى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) [المنافقون: 5-8].
وهكذا كان المجتمع المدني يتربى بالأحداث, والقرآن الكريم يقوم بتوجيهه وتعليمه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم بالإشراف على ذلك.
خامسًا: محاولة المنافقين الطعن في عرض النبي صلى الله عليه وسلم بالافتراء على عائشة- رضي الله عنها - بما يعرف بحديث الإفك:
حاك المنافقون في هذه الغزوة حادثة الإفك، بعد أن فشل كيدهم في المحاولة الأولى لإثارة النعرة الجاهلية، فقد ألمت بالبيت النبوي هذه النازلة الشديدة والمحنة العظيمة التي كان القصد منها النيل من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أهل بيته الأطهار. هذا وقد أجمع أهل المغازي والسير( ) على أن حادثة الإفك كانت في أعقاب غزوة بني المصطلق، وتابعهم في ذلك المفسرون( )، والمحدثون( ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://theroadtoparadise.alafdal.net
 
السيرة النبوية الجزء الثاني -13
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الطريق الى الجنة :: السيرة المطهرة-
انتقل الى: