الطريق الى الجنة
اخي الحبيب تقرب الى الله ليتقرب الله اليك
ادعوك للتسجيل في المنتدى وابني مستقبلك

الادارة

الطريق الى الجنة

منتدى اسلامي ثقافي اجتماعي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 السيرة النبوية الجزء الثاني -1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 99
تاريخ التسجيل : 31/10/2012
العمر : 57

مُساهمةموضوع: السيرة النبوية الجزء الثاني -1   الخميس نوفمبر 01, 2012 1:35 pm

الفصل الثامن
غزوة بــــــــدر الكبرى
المبحث الأول
مرحلة ما قبل المعركة
بلغ المسلمين تحركُّ قافلة تجارية كبيرة من الشام تحمل أموالاً عظيمة( ) لقريش يقودها أبو سفيان ويقوم على حراستها بين ثلاثين وأربعين رجلا( )، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم بَسْبَس بن عمرو( ) لجمع المعلومات عن القافلة، فلما عاد بسبس بالخبر اليقين، ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للخروج وقال لهم: «هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها»( )، وكان خروجه من المدينة في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان المبارك من السنة الثانية للهجرة، ومن المؤكد أنه حين خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة لم يكن في نيته قتال، وإنما كان قصده عير قريش, وكانت الحالة بين المسلمين وكفار مكة حالة حرب، وفي حالة الحرب تكون أموال العدو ودماؤهم مباحة، فكيف إذا علمنا أن جزءًا من هذه الأموال الموجودة في القوافل القرشية كانت للمهاجرين المسلمين من أهل مكة قد استولى عليها المشركون ظلمًا وعدوانًا( ).
كلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أم مكتوم بالصلاة بالناس في المدينة عند خروجه إلى بدر، ثم أعاد أبا لبابة من الروحاء إلى المدينة وعينه أميرًا عليها( ).
أرسل النبي صلى الله عليه وسلم اثنين من أصحابه( ) إلى بدر طليعة للتعرف على أخبار القافلة، فرجعا إليه بخبرها( ), وقد حصل خلاف بين المصادر الصحيحة حول عدد الصحابة الذين رافقوا النبي صلى الله عليه وسلم في غزوته هذه إلى بدر، ففي حين جعلهم البخاري «بضعة عشر وثلاثمائة»( ). يذكر مسلم بأنهم ثلاثمائة وتسعة عشرة رجلا( )، في حين ذكرت المصادر أسماء ثلاثمائة وأربعين من الصحابة البدريين,( ) وكانت قوات المسلمين في بدر لا تمثل القدرة العسكرية القصوى للدولة الإسلامية، ذلك أنهم إنما خرجوا لاعتراض قافلة واحتوائها، ولم يكونوا يعلمون أنهم سوف يواجهون قوات قريش وأحلافها مجتمعة للحرب، والتي بلغ تعدادها ألفًا( ) معهم مائتا فرس يقودونها إلى جانب جمالهم، ومعهم القيان يضربون بالدفوف، ويغنين بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه( )، في حين لم يكن مع القوات الإسلامية من الخيل إلا فرسان، وكان معهم سبعون بعيرًا يتعاقبون ركوبها( ).
أولاً: بعض الحوادث في أثناء المسير إلى بدر:
وقد حدثت بعض الحوادث في أثناء مسير النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فيها من العبر والمواعظ الشيء الكثير:
1- إرجاع البراء بن عازب وابن عمر لصغرهما: وبعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المدينة في طريقهم إلى ملاقاة عير أبي سفيان، وصلوا إلى (بيوت السقيا) خارج المدينة، فعسكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم, واستعرض صلى الله عليه وسلم من خرج معه فرد من ليس له قدرة على المضي من جيش المسلمين، وملاقاة من يحتمل نشوب قتال معهم، فرد على هذا الأساس البراء بن عازب، وعبد الله بن عمر لصغرهما، وكانا قد خرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم راغبين وعازمين على الاشتراك في الجهاد( ).
2- ارجع فلن أستعين بمشرك: وفي أثناء سير النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، التحق أحد المشركين راغبًا بالقتال مع قومه، فرده الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: «ارجع فلن أستعين بمشرك» وكرر الرجل المحاولة فرفض الرسول حتى أسلم الرجل والتحق بالمسلمين ( ).
3- مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في الصعاب: فعن ابن مسعود  قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير, كان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وكانت عقبة رسول الله, قال: فقالا: نحن نمشي عنك. فقال: «ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما»( ).
ثانيًا: العزم على ملاقاة المسلمين ببدر:
بلغ أبا سفيان خبر مسير النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه من المدينة بقصد اعتراض قافلته واحتوائها، فبادر إلى تحول مسارها إلى طريق الساحل، في نفس الوقت أرسل عمرو بن ضمضم الغفاري إلى قريش يستنفرها لإنقاذ قافلتها وأموالها( ), فقد كان أبو سفيان يقظًا حذرًا، يتلقط أخبار المسلمين ويسأل عن تحركاتهم، بل يتحسس أخبارهم بنفسه، فقد تقدم إلى بدر بنفسه، وسأل من كان هناك: (هل رأيتم من أحد؟) قالوا: لا. إلا رجلين قال: (أروني مناخ ركابهما، فأروه، فأخذ البعر ففته فإذا هو فيه النوى، فقال: هذا والله علائف يثرب)( ). فقد استطاع أن يعرف تحركات عدوه, حتى خبر السرية الاستطلاعية عن طريق غذاء دوابها، بفحصه البعر الذي خلفته الإبل، إذ عرف أن الرجلين من المدينة أي من المسلمين، وبالتالي فقافلته في خطر، فأرسل عمرو بن ضمضم إلى قريش وغيَّر طريق القافلة، واتجه نحو ساحل البحر( ).
كان وقع خبر القافلة شديدًا على قريش، التي اشتاط زعماؤها غضبًا لما يرونه من امتهان للكرامة، وتعريض للمصالح الاقتصادية للأخطار إلى جانب ما ينجم عن ذلك من انحطاط لمكانة قريش بين القبائل العربية الأخرى؛ ولذلك فقد سعوا إلى الخروج لمجابهة الأمر بأقصى طاقاتهم القتالية( ).
لقد جاءهم عمرو بن ضمضم الغفاري بصورة مثيرة جدًا يتأثر بها كل من رآها، أو سمع بها، إذ جاءهم وقد حول رحله وجدع أنف بعيره، وشق قميصه من قُبُل ومن دُبُر، ودخل مكة وهو ينادي بأعلى صوته: يا معشر قريش: اللطيمة، اللطيمة,( ) أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث، الغوث( ).
وعندما أمن أبو سفيان على سلامة القافلة أرسل إلى زعماء قريش وهو بالجحفة برسالة أخبرهم فيها بنجاته والقافلة، وطلب منهم العودة إلى مكة، وذلك أدى إلى حصول انقسام حاد في آراء زعماء قريش، فقد أصر أغلبهم على التقدم نحو بدر من أجل تأديب المسلمين وتأمين سلامة طريق التجارة القرشية, وإشعار القبائل العربية الأخرى بمدى قوة قريش وسلطانها، وقد انشق بنو زهرة( )، وتخلف في الأصل بنو عدي. فعاد بنو زهرة إلى مكة، أما غالبية قوات قريش وأحلافهم فقد تقدمت حتى وصلت بدرًا( ).
ثالثًا: مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه:
لما بلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نجاةُ القافلة وإصرار زعماء مكة على قتال النبي صلى الله عليه وسلم استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأمر,( ) وأبدى بعض الصحابة عدم ارتياحهم لمسألة المواجهة الحربية مع قريش، حيث إنهم لم يتوقعوا المواجهة ولم يستعدوا لها، وحاولوا إقناع الرسول صلى الله عليه وسلم بوجهة نظرهم، وقد صور القرآن الكريم، موقفهم وأحوال الفئة المؤمنة عمومًا في قوله تعالى: ( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ  يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إلى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ  وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُّحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ  لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) [الأنفال: 5- 8]. وقد أجمع قادة المهاجرين على تأييد فكرة التقدم لملاقاة العدو,( ) وكان للمقداد بن الأسود موقفٌ متميزٌ، فقد قال عبد الله بن مسعود : شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عُدلَ به( ): أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: ( قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) [المائدة: 24]، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك, وبين يديك وخلفك. فرأيت الرسول صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسرَّه( )، وفي رواية:( ) قال المقداد: يا رسول الله، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ( فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) ولكن امضِ ونحن معك، فكأنه سرَّى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعد ذلك عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أشيروا عليَّ أيها الناس»، وكان إنما يقصد الأنصار؛ لأنهم غالبية جنده، ولأن بيعة العقبة الثانية لم تكن في ظاهرها ملزمة لهم بحماية الرسول صلى الله عليه وسلم خارج المدينة، وقد أدرك الصحابي سعد بن معاذ، وهو حامل لواء الأنصار، مقصد النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فنهض قائلاً: «والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «أجل». قال: (لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر على بركة الله)( ). سُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم من مقالة سعد بن معاذ، ونشطه ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: «سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم» ( ).
كانت كلمات سعد مشجعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وملهبة لمشاعر الصحابة فقد رفعت معنويات الصحابة وشجعتهم على القتال.
إن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على استشارة أصحابه في الغزوات يدل على تأكيد أهمية الشورى في الحروب بالذات؛ ذلك لأن الحروب تقرر مصير الأمم، فإما إلى العلياء، وإما تحت الغبراء( ).
رابعًا: المسير إلى لقاء العدو وجمع المعلومات عنه:
نظم النبي صلى الله عليه وسلم جنده بعد أن رأى طاعة الصحابة وشجاعتهم واجتماعهم على القتال، وعقد اللواء الأبيض وسلَّمه إلى مصعب بن عمير، وأعطى رايتين سوداوين إلى سعد بن معاذ، وعلي بن أبي طالب، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة( ). وقام صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر يستكشف أحوال جيش المشركين، وبينما هما يتجولان في تلك المنطقة لقيا شيخا من العرب، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جيش قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه صلى الله عليه وسلم من أخبارهم: قال الشيخ لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أخبرتنا أخبرناك» فقال: أو ذاك بذاك؟ قال: «نعم»، فقال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به جيش المسلمين، وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي فيه جيش المشركين فعلاً، ثم قال الشيخ: لقد أخبرتكما عما أردتما، فأخبراني ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن من ماء»، ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عن الشيخ، وبقي هذا الشيخ يقول: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟( ).
وفي مساء ذلك اليوم الذي خرج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، أرسل عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يتسقطون له الأخبار عن جيش قريش، فوجدوا غلامين يستقيان لجيش المشركين فأتوا بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما: «أخبراني عن جيش قريش» فقالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كم القوم؟» قالا: كثير، قال: «ما عدتهم؟» قالا: لا ندري، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «كم ينحرون كل يوم؟» قالا: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القوم ما بين التسعمائة والألف»، ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ فذكرا عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا جهل وأمية بن خلف في آخرين من صناديد قريش، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه قائلا: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها»( ).
كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم حرصه على معرفة جيش العدو والوقوف على أهدافه ومقاصده؛ ولأن ذلك يعينه على رسم الخطط الحربية المناسبة لمجابهته وصد عدوانه, فقد كانت أساليبه في غزوة بدر في جمع المعلومات تارة بنفسه وأخرى بغيره، وكان صلى الله عليه وسلم يطبق مبدأ الكتمان في حروبه، فقد أرشد القرآن الكريم المسلمين إلى أهمية هذا المبدأ قال تعالى: ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ) [النساء: 83].
وقد تحلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفة الكتمان في عامة غزواته، فعن كعب بن مالك  قال: (ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها...). ( ) وفي غزوة بدر ظهر هذا الخلق الكريم في الآتي:
1- سؤاله صلى الله عليه وسلم الشيخ الذي لقيه في بدر عن محمد وجيشه، وعن قريش وجيشها.
2- تورية الرسول صلى الله عليه وسلم في إجابته عن سؤال الشيخ ممن أنتما؟ بقوله صلى الله عليه وسلم: «نحن من ماء» وهو جواب يقتضيه المقام، فقد أراد به صلى الله عليه وسلم كتمان أخبار جيش المسلمين عن قريش.
3- وفي انصرافه فور استجوابه كتمانٌ أيضًا, وهو دليل على ما يتمتع به رسول
الله صلى الله عليه وسلم من الحكمة، فلو أنه أجاب هذا الشيخ ثم وقف عنده لكان هذا سببًا في طلب الشيخ بيان المقصود من قوله صلى الله عليه وسلم: «من ماء»( ).
4- أمره صلى الله عليه وسلم بقطع الأجراس من الإبل يوم بدر، فعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالأجراس أن تقطع من أعناق الإبل يوم بدر( ).
5- كتمانه صلى الله عليه وسلم خبر الجهة التي يقصدها عندما أراد الخروج إلى بدر، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (... إن لنا طلبةً فمن كان ظهره حاضرًا فليركب معنا...)( ).
وقد استدل الإمام النووي بهذا الحديث على استحباب التورية في الحرب، وأن لا يبين القائد الجهة التي يقصدها لئلا يشيع هذا الخبر فيحذرهم العدو( ).
ونلحظ أن التربية الأمنية في المنهاج النبوي مستمرة منذ الفترة السرية، والجهرية بمكة، ولم تنقطع مع بناء الدولة، وأصبحت تنمو مع تطورها، وخصوصًا في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم.
خامسًا: مشورة الحباب بن المنذر في بدر:
بعد أن جمع صلى الله عليه وسلم معلومات دقيقة عن قوات قريش سار مسرعًا ومعه أصحابه إلى بدر ليسبقوا المشركين إلى ماء بدر، وليَحُولوا بينهم وبين الاستيلاء عليه، فنزل عند أدنى ماء من مياه بدر، وهنا قام الحباب بن المنذر، وقال: يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة» قال: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض يا رسول الله بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم-أي جيش المشركين- فننزله ونغور –نخرب- ما وراءه من الآبار ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم, فنشرب ولا يشربون، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأيه ونهض بالجيش حتى أقرب ماء من العدو فنزل عليه, ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من الآبار( ), وهذا يصور مثلاً من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه حيث كان أي فرد من أفراد ذلك المجتمع يدلي برأيه حتى في أخطر القضايا، ولا يكون في شعوره احتمال غضب القائد الأعلى، ثم حصول ما يترتب على ذلك الغضب من تدني سمعة ذلك المشير بخلاف رأي القائد وتأخره في الرتبة وتضرره في نفسه أو ماله.
إن هذه الحرية التي ربَّى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه مكنت مجتمعهم من الاستفادة من عقول جميع أهل الرأي السديد والمنطق الرشيد، فالقائد فيهم ينجح نجاحًا باهرًا، وإن كان حديث السن؛ لأنه لم يكن يفكر برأيه المجرد, أو آراء عصبة مهيمنة عليه قد تنظر لمصالحها الخاصة قبل أن تنظر لمصلحة المسلمين العامة، وإنما يفكر بآراء جميع أفراد جنده، وقد يحصل له الرأي السديد من أقلهم سمعة وأبعدهم منزلة من ذلك القائد؛ لأنه ليس هناك ما يحول بين أي فرد منهم والوصول برأيه إلى قائد جيشه( ).
ونلحظ عظمة التربية النبوية التي سرت في شخص الحباب بن المنذر، فجعلته يتأدب أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم دون أن يُطلب رأيه، ليعرض الخطة التي لديه، لكن هذا تم بعد السؤال العظيم الذي قدمه بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم. يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ إن هذا السؤال ليشي بعظمة هذا الجوهر القيادي الفذ الذي يعرف أين يتكلم ومتى يتكلم بين يدي قائده، فإن كان الوحي هو الذي اختار هذا المنزل، فلأن يقدم فتقطع عنقه أحب إليه من أن يلفظ بكلمة واحدة، وإن كان الرأي البشري فلديه خطة جديدة كاملة باستراتيجية جديدة.
إن هذه النفسية الرفيعة، عرفت أصول المشورة، وأصول إبداء الرأي، وأدركت مفهوم السمع والطاعة، ومفهوم المناقشة، ومفهوم عرض الرأي المعارض لرأي سيد ولد آدم، عليه الصلاة والسلام.
وتبدو عظمة القيادة النبوية في استماعها للخطة الجديدة، وتبني الخطة الجديدة المطروحة من جندي من جنودها أو قائد من قوادها( ).
سادسًا: الوصف القرآني لخروج المشركين:
قال تعالى: ( وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) [الأنفال: 47].
ينهى المولى عز وجل المؤمنين عن التشبه بالكافرين الذين خرجوا من ديارهم بطرًا ورئاء الناس. فقد وصف سبحانه الكافرين في هذه الآية بثلاثة أشياء: الأول: البطر، والثاني: الرياء والثالث: الصد عن سبيل الله.
ونلحظ أن الله تعالى عبر عن بطرهم بصيغة الاسم الدال على التمكين والثبوت, وعن صدهم بصيغة الفعل الدال على التجدد والحدوث( ).
وقد جاء في تفسير هذه الآية عند القرطبي أن المقصود بالآية: «يعني أبا جهل وأصحابه الخارجين يوم بدر لنصرة العير, خرجوا بالقيان والمغنيات والمعازف، فلما وردوا الجحفة بعث خُفاف الكناني, وكان صديقا لأبي جهل، بهدايا إليه مع ابن عم له، وقال: إن شئت أمددتك بالرجال، وإن شئت أمددتك بنفسي مع ما خف من قومي، فقال أبو جهل: إنا كنا نقاتل الله كما يزعم محمد، فوالله ما لنا بالله من طاقة، وإن كنا نقاتل الناس فوالله إن بنا على الناس لقوة، والله لا نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرًا فنشرب فيها الخمور، وتعزف علينا القيان، فإن بدرًا موسم من مواسم العرب، وسوق من أسواقهم، حتى تسمع العرب بمخرجنا؛ فتهابنا آخر الأبد، فوردوا بدرًا، ولكن جرى ما جرى من هلاكهم»( ).
سابعًا: موقف المشركين لما قدموا إلى بدر:
بين سبحانه وتعالى موقف المشركين لما قدموا إلى بدر, قال تعالى: ( إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ) [الأنفال: 19].
روى الإمام أحمد عن عبد الله بن ثعلبة أن أبا جهل قال حين التقى القوم –في بدر-: اللهم أقطعُنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه – أي أهلكه: الغداة. فكان المستفتح( ).
ولما وصل جيش مكة إلى بدر دب فيهم الخلاف وتزعزعت صفوفهم الداخلية، فعن ابن عباس  قال: «لما نزل المسلمون وأقبل المشركون، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتبة بن ربيعة وهو على جمل أحمر، فقال: «إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر, إن يطيعوه يرشدوا» وهو يقول: يا قوم أطيعوني في هؤلاء القوم فإنكم إن فعلتم لن يزال ذلك في قلوبكم, ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه وقاتل أبيه، فاجعلوا حقها برأسي وارجعوا، فقال أبو جهل: انتفخ والله سحره,( ) حين رأى محمدًا وأصحابه، إنما محمد وأصحابه أكلة جزور لو قد التقينا. فقال عتبة: ستعلم من الجبان المفسد لقومه، أما والله إني لأرى قومًا يضربونكم ضربًا، أما ترون كأن رؤوسهم الأفاعي وكأن وجههم السيوف..)( ).
وهذا حكيم بن حزام يحدثنا عن يوم بدر، وكان في صفوف المشركين قبل إسلامه، قال: خرجنا حتى نزلنا العدوة التي ذكرها الله عز وجل، فجئت عتبة بن ربيعة فقلت: يا أبا الوليد هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت؟
قال: أفعل ماذا؟ قلت: إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرمي( ), وهو حليفك فتحمل ديته وترجع بالناس، فقال أنت وذاك وأنا أتحمل ديته، واذهب إلى ابن الحنظلية( ) يعني -أبا جهل- فقل له: هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك؟ فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن ورائه، وإذا ابن الحضرمي( ) واقف على رأسه وهو يقول: قد فسخت عقدي من عبد شمس، وعقدي إلى بني مخزوم فقلت له: يقول لك عتبة بن ربيعة: هل لك أن ترجع اليوم عن ابن عمك بمن معك؟ قال: أما وجد رسولا غيرك؟ قلت: لا ولم أكن لأكون رسولاً لغيره.
قال حكيم: فخرجت مبادرًا إلى عتبة، لئلا يفوتني من الخبر شيء( ). فهذا عتبة بن ربيعة وهو في القيادة من قريش لا يرى داعيًا لقتال محمد، وقد دعا قريش بترك محمد فإن كان صادقًا فيما يدعو إليه فعزه عز قريش وملكه ملكها، وستكون أسعد الناس به، وإن كان كاذبًا فسيذوب في العرب وتنهيه.
ولكن كبرياء الجاهلية دائمًا في كل زمان ومكان لا يمكن أن تترك الحق يتحرك؛ لأنها تعلم أن انتصاره معناه زوالها من الوجود وبقاؤه مكانها( ).
وهذا عمير بن وهب الجمحي ترسله قريش ليحرز لهم أصحاب محمد، فاستجال حول العسكر ثم رجع إليهم فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون، ولكن أمهلوني أنظر أللقوم كمين أو مدد، قال: فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئًا، ولكن قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا, نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يُقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك، فُروا رأيكم( ).
وهذا أمية بن خلف رفض الخروج من مكة ابتداء خوفًا من الموت، فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما إذا غلبتني، فوالله لأشترين أجود بعير بمكة. ثم قال أمية: يا أم صفوان جهزيني. فقالت له: أبا صفوان وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ تقصد سعد بن معاذ عندما قال له: سمعت رسول الله يقول: إنهم لقاتلوك( ). قال: لا، ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبًا, فلما خرج أمية أخذ لا يترك منزلاً إلا عقل بعيره، فلم يزل بذلك حتى قتله الله عز وجل ببدر( ).
ومن دهاء أبي جهل -لعنه الله- أن سلط عقبة بن معيط على أمية بن خلف فأتاه عقبة بمجمرة حتى وضعها بين يديه فقال: إنما أنت من النساء. فقال: قبحك الله( ).
لقد كانت القوة المعنوية لجيش مكة متزعزعة في النفوس، وإن كان مظهره القوة والعزم والثبات إلا أن في مخبره الخوف والجبن والتردد( ).
وكانت لرؤيا عاتكة بنت عبد المطلب أثر على معنويات أهل مكة، فقد رأت في المنام أن رجلاً استنفر قريشًا وألقى بصخرة من رأس جبل أبي قبيس بمكة فتفتت ودخلت سائر دور قريش، وقد أثارت الرؤيا خصومة بين العباس وأبي جهل حتى قدم ضمضم وأعلمهم بخبر القافلة فسكنت مكة وتأولت الرؤيا( ). كما أن جهيم بن الصلت بن المطلب بن عبد مناف رأى رؤيا عندما نزلت قريش الجحفة، فقد رأى رجلاً أقبل على فرس حتى وقف، ومعه بعير له، ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف, وفلان وفلان، فعدد رجالاً من أشراف قريش، ثم رأيته ضرب في لبة بعيره، ثم أرسله في العسكر، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح( ) من دمه، فلما بلغت أبا جهل هذه الرؤيا، قال: وهذا أيضا نبي من بني المطلب، سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا( ). كانت تلك الرؤى قد ساهمت بتوفيق الله في إضعاف النفسية القرشية المشركة.
* * *

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://theroadtoparadise.alafdal.net
 
السيرة النبوية الجزء الثاني -1
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الطريق الى الجنة :: السيرة المطهرة-
انتقل الى: