الطريق الى الجنة
اخي الحبيب تقرب الى الله ليتقرب الله اليك
ادعوك للتسجيل في المنتدى وابني مستقبلك

الادارة

الطريق الى الجنة

منتدى اسلامي ثقافي اجتماعي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 السيرة النبوية الجزء الاول -27

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 99
تاريخ التسجيل : 31/10/2012
العمر : 57

مُساهمةموضوع: السيرة النبوية الجزء الاول -27   الخميس نوفمبر 01, 2012 5:52 am

6- (وإني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله)( ):
كانت سرية عبيدة بن الحارث  أول سرية في تاريخ السرايا يلتقي فيه المسلمون مع المشركين في مواجهة عسكرية، وقد اتخذ القتال بين الطرفين طابع المناوشة بالسهام وكان سعد بن أبي وقاص  (أول العرب رمى بسهم في سبيل الله) ( ) في تلك المعركة التي لم تستمر طويلاً، إذ قرر الفريقان الانسحاب من أرضها، وقد كان انسحاب المسلمين قوياًّ ومنظماً، وكان بطل هذا الانسحاب سعد بن أبي وقاص  فقد كان له الدور الأكبر في تثبيت وإحباط استعدادات العدو لشن أي هجوم مضاد؛ وذلك بوابل من السهام المزعجة التي قذفها نحوه، والتي كونت ساتراً دفاعياًّ مهد لانسحاب سليم منظم بالنسبة للمسلمين، وقد فر عتبة بن غزوان والمقداد بن الأسود رضي الله عنهما يومئذ إلى المسلمين، وكانا قد أسلما قبل ذلك، وفي هذه السرية حقق سعد بن أبي وقاص  سبقاً عسكرياًّ إسلامياًّ، يسجل في سجله الحافل بالأعمال العظيمة لنصرة دين الله تعالى، كما أكدت هذه السرية استمرار سياسة رسول الله صلى الله عليه وسلم التعبوية الخاصة بحشد المهاجرين فقط في الغزوات والسرايا الأولى حتى بدر تنفيذاً لاتفاقية العقبة الثانية( ).
7- نص وثيقة الموادعة مع جهينة والتعليق عليها:
«إنهم آمنون على أنفسهم وأموالهم، وإن لهم النصر على من ظلمهم أو حاربهم إلا في الدين والأهل، ولأهل باديتهم من بر منهم واتقى ما لحاضرتهم»( ).
ويظهر أثر هذه الموادعة عندما تدخل مجدي بن عمرو الجهني في التوسط بين سرية حمزة بن عبد المطلب والقافلة القرشية التي كان يقودها أبو جهل بن هشام ويحرسها ثلاثمائه راكب من فرسان قريش( ) فقد التقوا ناحية العيص في منطقة نفوذ جهينة واصطفوا للقتال( ) وقبل أن يندلع القتال بين الفريقين تدخل مجدي بن عمرو زعيم من زعماء جهينة، في وساطة سلام بينهم، واستطاع أن ينجح في مساعيه السلمية بين الطرفين، فقد كان مجدي وقومه حلفاء للفريقين جميعاً فلم يعصوه فرجع الفريقان كلاهما إلى بلادهما فلم يكن بينهم قتال( ).
ويظهر من هذه المعاهدة أن عقد المعاهدات بين الدول الإسلامية والقبائل المجاورة كان سابقاً على الأعمال العسكرية التي قامت بها، بدليل أن حركة السرايا الأولى الموجهة ضد قريش كان قد سبقها معاهدة سلام بين دولة الإسلام وقبيلة جهينة المقيمة على ساحل البحر الأحمر، وقد توسطت لمنع القتال بين المسلمين وكفار مكة.
ومن فقه هذه المعاهدة، جواز عقد معاهدة سلام بين دولة الإسلام ودولة أخرى هي بدورها مرتبطة بمعاهدة سلام مع أعداء الدولة الإسلامية بشرط أن لا تجاوز تلك المعاهدة إلى الاتفاق على أن تنصر الدولة المعاهدة للمسلمين تلك الدولة العدو إذا ما اشتبكت مع المسلمين في قتال، ويجوز للدولة الإسلامية أن تترك قتال أعداءها بعد أن تستعد لذلك استجابة لوساطة دولة أخرى، إذا لم يترتب على ذلك ضرر للمسلمين( ).
كانت نتائج سرية حمزة  على المعسكر الوثني سيئة للغاية، حيث هزت كيان قريش وبثت الرعب في نفوس رجالها، وفتحت أعينهم على الخطر المحدق بهم والذي أصبح يهدد طريق تجارتهم وقوتهم الاقتصادية( )، فقد قال أبو جهل حين قدم مكة منصرفه عن حمزة: يا معشر قريش إن محمدا قد نزل يثرب وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئاً، فاحذروا أن تمروا طريقه، وأن تقاربوه فإنه كالأسد الضاري، إنه حنق( ) عليكم نفيتموه نفي القردان( ) على المناسم( )، والله إنه له لسحرة، ما رأيته قط ولا أحدا من أصحابه إلا رأيت معهم الشياطين، وإنكم عرفتم عداوة ابني قيلة( ) فهو عدو استعان بعدو ( ).
8- سرية عبد الله بن جحش وما فيها من دروس وعبر:
إن سرية عبد الله بن جحش حققت نتائج مهمة وفيها دروس وعبر وفوائد عظيمة منها:
أ- جاء في خبر هذه السرية أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لأمير السرية كتاباً وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، وهذا مثل لتطبيق مبدأ مهم من مبادئ الحرب، وهو إخفاء الخطط الحربية، ومنها خط السير، حتى يكون الجيش في أمان من كيد الأعداء، فالمدينة كانت آنذاك تضم اليهود والوثنين ومن المتوقع أن يسارع هؤلاء إلى إخبار أهل مكة بخط سير تلك السرية الموجهة ضدهم، فلما سار أفراد السرية وهم بأنفسهم لا يعلمون اتجاههم أصبح النبي صلى الله عليه وسلم آمنا من انكشاف الهدف المقصود( ).
وإن الباحث ليرى أثر التربية النبوية في هذه السرية المباركة حيث سمعوا وأطاعوا جميعا وساروا إلى منطقة أعدائهم، وتجاوزوها حتى أصبحوا من ورائهم، وهذا شاهد على قوة إيمان الصحابة رضي الله عنهم، واستهانتهم بأنفسهم في سبيل الله تعالى( ).
ب- حاولت قريش أن تستغل ما وقع من قتل في الشهر الحرام من قبل أفراد السرية:
فشنوا حرباً إعلامية وهجومية مركزة تتخللها دعايات مغرضة ضد المسلمين، استغلت فيها التعاليم الإبراهيمية التي ما زالت بعض آثارها باقية في المجتمع الجاهلي حتى ذلك الوقت من تحريم القتال في الأشهر الحرم، وغير ذلك، فقد انتهزت قريش هذه الفرصة للتشهير بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين وإظهارهم بمظهر المعتدي الذي لا يراعي الحرمات ( )، قالت قريش: «قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال»( ).
ونجحت قريش في خطتها تلك بادئ الأمر حيث (كان لدعايتها صدى كبير، وأثر ملموس حتى في المدينة نفسها، فقد كثر الجدل والنقاش بين المسلمين أنفسهم، وأنكروا على رجال السرية محاربتهم في الشهر الحرام واشتد الموقف، ودخلت اليهود تريد إشعال الفتنة)( )، وقالوا إن الحرب واقعة لا محالة بين المسلمين وقريش، بل بينهم وبين العرب جميعاً جزاء ما انتهكوا من حرمة الشهر الحرام، وأخذوا يرددون: «عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو: عمرت الحرب، والحضرمي: حضرت الحرب، وواقد: وقدت الحرب»( ) وهذا الكلام من اليهود يعبر عن حقد دفين في نفوسهم على الإسلام والمسلمين( ).
وعندما ظن أهل السرية أنهم قد هلكوا وسُقط في أيديهم جاء الرد الرباني المفحم قطعاً لألسنة المشركين الذين يتترسون بالحرمات، ويتخذونها ستاراً لجرائمهم، ففضح القرآن هؤلاء المجرمين، وأبطل احتجاجهم وأجاب على استنكارهم القتال في الشهر الحرام، فالصد عن سبيل الله، والكفر به أكبر من القتال في الشهر الحرام، والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبر من القتال في الشهر الحرام، وفتنة الرجل في دينه أكبر من القتل في الشهر الحرام، لقد فعلت قريش كل هذه الجرائم، وارتكبت هذه الكبائر، ولكنها تناستها أو استهانت بها، ولم تذكر إلا حرمة الشهر، واتخذها وسيلة لإثارة حرب شعواء على الإسلام ودولته، لتأليب القبائل الوثنية عليها، وتنفير الناس من الدخول في هذا الدين الذي يستحل الحرمات، ويستبيح المقدسات حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لحقه الغم، ولام قائد السرية وأصحابه على ما فعلوا( )، فنزلت الآيات البينات ترد وبقوة على دعايات قريش المغرضة، موضحة أنه وإن كان الشهر الحرام لا يحل فيه القتال، ولكن لا حرمة عند الله لمن هتك الحرمات وصد عن سبيله( ).
جـ- حرص القائد على سلامة الجنود:
عندما تخلف سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بسبب بحثهما عن بعير لهما قد أضلاه، وجاءت قريش تريد أن تفدي الأسيرين، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «أخاف أن تكونوا قد أصبتم سعد بن مالك وعتبة بن غزوان» فلم يفدهما حتى قدم سعد وعتبة، ففوديا، فأسلم الحكم بن كيسان( ) وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع عثمان بن عبد الله ابن المغيرة كافراً( ).
ونفهم من المنهاج النبوي ضرورة أن يهتم القائد بسلامة جنده؛ لأنهم هم الذين يقدمون أنفسهم في سبيل نصرة دين الله وإقامة دولة الإسلام.
إن المدارس العسكرية الحديثة تقول: إن الجندي حين يحس باهتمام القيادة به وسلامته وبأمنه، لا يتردد في أن يبذل غاية البذل ويعطي أقصى العطاء( ).
د- ظهور التربية الأمنية في الميدان:
كانت سرية عبد الله بن جحش قد حققت أهدافها، وظهرت قدرتها على التوغل في المناطق الخاضعة لنفوذ قريش مما أذهلها، وزاد دهشتها وذهولها، تلك السرية التامة، والدقة المتناهية التي تمت بها العملية، حتى إن جواسيس قريش لم تستطع رصدها ولا معرفة الوجهة التي قصدتها، وكان ذلك ما أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطط له بابتكاره أسلوب الرسائل المكتوبة للمحافظة على الكتمان وحرمان العدو من الحصول على المعلومات التي تفيده عن حركات المسلمين «والكتمان أهم عامل من عوامل مبدأ (المباغتة) وهي أهم مبدأ من مبادئ الحرب»( ).
وقد أثبتت هذه السرية بما لا يدع مجالاً للشك بأن سرايا النبي صلى الله عليه وسلم قوية تندفع للقيام بأصعب الأعباء والمهمات وتتحلى بمزايا القتال، وقدرتها على إنجاز الواجبات بكل كفاءة واقتدار؛ مما يدل على روحها المعنوية العالية.
وتظهر آثار التربية النبوية في الضبط العسكري الرفيع الذي تميز به قائد السرية وطاعته للأوامر النبوية العليا دون تردد أو تخاذل، فما إن قرأ الكتاب حتى امتثل فورا للأمر بحذافيره معطياًّ من نفسه القدوة الحسنة، وباثاًّ في نفوس جنوده الحماس وهو يقول لهم: «فمن كان منكم يريد الشهادة، ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم»( ).
9- من أهداف السرايا:
عندما ندرس حركة السرايا والغزوات التي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم بدقة وعمق وتحليل، نستطيع أن نتلمس كثيراً من الأهداف وندرك بعض ما توحي به من دروس وعبر وفوائد، فإذا تأملنا في حركة السرايا التي سُيرت قبل بدر نجد أن أفرادها كلهم من المهاجرين ليس فيهم واحد من الأنصار يقول ابن سعد رحمه الله: «والمجتمع عليه أنهم كانوا جميعا من المهاجرين» ولم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من الأنصار مبعثاً حتى غزا بهم بدراً( )وقد كان هذا أمراً مدروسًا له أهدافه ومنها: إحياء قضية المهاجرين في أنفسهم أولاً، وإحياؤها على المستوى الخارجي، وإنهاك الاقتصاد القرشي ومحاصرته، واستعادة بعض الحقوق المسلوبة، وإضعاف قريش عسكرياًّ، وتدريب الصحابة على إتقان فنون القتال، رصد تحركات قريش، وإرهاب العدو الداخلي في المدينة وما حولها واختبار قوة العدو( ) وقد حققت تلك السرايا أهدافها والتي من أهمها:
أ- بسط هيبة الدولة في الداخل والخارج:
فقد استطاعت تلك السرايا والغزوات أن تلفت أنظار أعداء الدعوة والدولة الإسلامية إلى قوة المسلمين وقدرتهم على ضرب أية حركة مناوئة، سواء في الداخل أو الخارج، حتى لا يحدث أحد نفسه بمهاجمة الدولة الإسلامية، التي لا يتوقف جيشها ليل نهار؛ مما أرهب الأفاعي اليهودية، والقبائل الوثنية المحيطة بالمدينة، وجعل الجميع يعمل ألف حساب قبل أن تحدثه نفسه بغزو المدينة، أو مناصرة أحد من الأعداء عليها والذي نلاحظه في حركة السرايا الزيادة المستمرة في أعداد قوة تلك الغزوات والسرايا، ومجيئها متتابعة ليس بينها فاصل زمني على الإطلاق، فلا تكاد السرية أو الغزوة تعود حتى تكون التي بعدها قد خرجت لتحقيق الهدف نفسه، وهو ضرب مصالح قريش الاقتصادية، وقطع طرق تجارتها، وخصوصاً إلى بلاد الشام؛ مما كلفها زيادة عدد حراس قوافلها، وارتفاع قيمة بضائعها، عدا عن الرعب والخوف الذي يشعر به رجال القوافل القرشية وأصحاب الأموال في مكة على حد سواء( ).
ب- كسب بعض القبائل وتحجيم دور الأعراب:
فقد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيلة جهينة وحالفها، وكذلك بعض القبائل الضاربة في تلك المنطقة، من أجل تحييدها في الصراع الدائر بين مكة والمدينة، والعمل على كسبها في هذا الصراع وذلك: (لأن الأصل أن هذه القبائل تميل إلى قريش، وتتعاون معها، إذ بينهما محالفات تاريخية سماها القرآن الكريم بالإيلاف( ) سعت قريش من خلالها لتأمين تجارتها مع الشام واليمن)( ).
وبعد أن اتفقت بعض القبائل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقدت معه معاهدات، أصبحت تشكل خطراً على تجارة قريش، وصار المسلمون هم السادة في المنطقة( ).
وقام النبي صلى الله عليه وسلم بتحجيم دور الأعراب كي لا يكون لهم وجود في طرق التجارة، فقد كان الأعراب يشكلون قوة تهديد للقوافل التجارية، وكان المار في مناطق نفوذهم لا يمر إلا بإتاوة تَدفع إليهم، وحينما قامت الدولة الإسلامية لم يجدوا شيئاً منها فجربوا مهاجمتها وتولى هذا كرز الفهري، ولكنه وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يطارده إلى سفوان (بالقرب من بدر، وهي مسافة تبعد عن المدينة حوالي 150 كيلومتراً) وقد سمى أهل السير هذه المطاردة غزوة بدر الصغرى، وتعد هذه الغزوة درساً لكل الأعراب فلم يحصل أن أعرابياًّ سولت له نفسه مهاجمة المدينة بعد هذه المطاردة، ومن ثم لم تدفع الأمة الإسلامية إتاوات لقطاع الطرق بل أجبرتهم على الانسحاب والدخول في اتفاقات مع المسلمين فأمنوا شرهم( ).
ج- علاقة هذه السرايا بحركة الفتوح الإسلامية:
استمرت حركة السرايا والبعوث، وكانت بمثابة تمرينات عسكرية تعبوية، ومناورات حية لجند الإسلام، وكان هذا النشاط المتدفق على شكل موجات متعاقبة من جند الإسلام الأوائل دلالة قاطعة على أن دولة الإسلام في المدينة وبقيادة النبي القائد صلى الله عليه وسلم كانت مثل خلية النحل لا تهدأ ولا تكل، وإن الباحث ليلحظ في حركة السرايا والبعوث والغزوات الكبرى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حرص الصحابة على المشاركة كقادة وجنود، فكان صلى الله عليه وسلم يعدهم لتثبيت دعائم الدولة والاستعداد للفتوحات المرتقبة، والتي ما فتئ عليه الصلاة والسلام يبشر بها أصحابه بين الفينة والأخرى في أوقات الحرب والسلم والخوف والأمن.
إنه بنظرة فاحصة في قواده وجنود تلك السرايا والبعوث تطالعنا أسماء لمعت كثيراً في تاريخ الفتح الإسلامي فيما بعد، مثل قائد فتوحات الشام، أمين الأمة، أبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص صاحب القادسية، وفاتح المدائن وخالد بن الوليد سيف الله المسلول هازم الروم في اليرموك، وعمرو بن العاص فاتح مصر وليبيا وغيرهم -رضي الله عنهم- لقد التحق خالد وعمرو فيما بعد بحركة السرايا وقادوا بعضهما بعد إسلامهم، لقد كانت السرايا والغزوات التي أشرف عليها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في حياته تدريباً حياً نابضاً، بل يمكن اعتبارها دورات أركان للقادة الذين فتحوا مشارق الأرض ومغاربها فيما بعد.
* * *

المبحث الخامس
استمرارية البناء التربوي والعلمي
كان من أوائل ما نزل من القرآن الكريم في العهد المدني هو مقدمات سورة البقرة التي تحدثت عن صفات أهل الإيمان، وأهل الكفر، وأهل النفاق ثم إشارة لأهل الكتاب، اليهود والنصارى، وكان التركيز على بيان حقيقة اليهود؛ لأنهم الذين تصدوا للدعوة الإسلامية من أول يوم دخلت فيه المدينة، وتتضمن سورة البقرة جانباً طويلاً منها لشرح صفة يهود وطباعهم( ).
والملاحظ أن سورة البقرة وهي من أوائل ما نزل في العهد المدني كانت توجه الدعوة للناس أجمعين أن يدخلوا في دين الله، وأن يتوجهوا له بالعبادة قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) [البقرة: 21-22].
وكانت الآيات القرآنية في العهد المدني تحذر المسلمين من الاتصاف بصفات المنافقين، وتوضح خطورة المنافقين على المجتمع الناشئ والدولة الجديدة، ولم تظهر حركة النفاق ضد المجتمع والدولة المسلمة إلا في العهد المدني؛ لأن المسلمين في مكة «ولم يكونوا من القوة والنفوذ في حالة تستدعي وجود فئة من الناس ترهبهم أو ترجو خيرهم، فتتملقهم وتتزلف إليهم في الظاهر، وتتآمر عليهم وتكيد لهم وتمكر بهم في الخفاء، كما كان شأن المنافقين بوجه عام.. والآيات تتضمن أوصاف وأخبار مواقف المنافقين، والحملات عليهم كثيرة جداً، حتى لا تكاد تخلو سورة مدنية منها، وخاصة الطويلة والمتوسطة، وهذا يعني أن هذه الحركة ظلت طيلة العهد المدني تقريباً، وإن كانت أخذت تضعف من بعد نصفه الأول»( ).
واستمر القرآن المدني يتحدث عن عظمة الله، وحقيقة الكون والترغيب بالجنة والترهيب من النار ويشرع الأحكام لتربية الأمة، ودعم مقومات الدولة التي ستحمل نشر دعوة الله بين الناس قاطبة، وتجاهد في سبيل الله.
وكانت مسيرة الأمة العلمية تتطور مع تطور مراحل الدعوة وبناء المجتمع، وتأسيس الدولة، وقد أشاد القرآن الكريم بالعلم، والذين يتعلمون ورويت أحاديث عن تقدير الرسول صلى الله عليه وسلم للعلم، وتضمنت كتب الحديث أبواباً عن العلم.
لقد أيقنت الأمة أن العلم من أهم مقومات التمكين؛ لأن من المستحيل أن يمكن الله تعالى لأمة جاهلة، متخلفة عن ركاب العلم، وإن الناظر للقرآن الكريم ليتراءى له في وضوح أنه زاخر بالآيات التي ترفع من شأن العلم، وتحث على طلبه وتحصيله فقد جعل القرآن الكريم العلم مقابلاً للكفر( ) الذي هو الجهل والضلال قال تعالى: ( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ ) [الزمر: 9].
وإن الشيء الوحيد الذي أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يطلب منه الزيادة هو العلم قال تعالى: ( وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) [طه: 114] كما أن أول خاصية ميز الله تعالى بها آدم عليه السلام هي العلم قال تعالى: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) [البقرة: 31].
واستمر النبي صلى الله عليه وسلم في منهجه التربوي لكي يعلم أصحابه ويذكرهم بالله عز وجل، ويحثهم على مكارم الأخلاق، ويوضح لهم دقائق الشريعة وأحكامها، وكان توجيهه صلى الله عليه وسلم لأصحابه أحياناً فردياً، ومرة جماعياً، وترك لنا الحبيب المصطفى ثروة هائلة في وسائله التربوية في التعليم وإلقاء الدروس فقد راعى صلى الله عليه وسلم الوسائل التربوية التي تعين على الحفظ وحسن التلقي، وتؤدي إلى استقرار الحديث في نفوس وأفئدة الصحابة الكرام- رضوان الله عليهم- فمن هذه الوسائل والمبادئ العظيمة النافعة( ) في العهد المكي والمدني.
أولاً: أهم هذه الوسائل والمبادئ:
1- تكرار الحديث وإعادته:
فذلك أسهل في حفظه وأعون على فهمه، وأدعى لاستيعابه ووعي معانيه؛ ولذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تكرير الحديث في غالب أحيانه، فعن أنس بن مالك  عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا، حتى تفهم عنه..( ).
2- التأني في الكلام والفصل بين الكلمات:
كان صلى الله عليه وسلم يتأنـَّى ولا يستعجل في كلامه، بل يفصل بين كلمة وأخرى، حتى يسهل الحفظ، ولا يقع التحريف والتغيير عند النقل، وبلغ من حرص النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أنه كان يسهُل على السامع أن يعد كلماته صلى الله عليه وسلم لو شاء( ) فقد روى عروة بن الزبير -رحمه الله- أن عائشة رضي الله عنها قالت: «ألا يعجبك أبو فلان؟ جاء فجلس إلى جانب حجرتي، يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسمعني ذلك، وكنت أُسبِّح( ) فقام قبل أن أقضي سُبْحتي، ولو أدركته لرددت عليه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم( ).
3- الاعتدال وعدم الإملال واختيار الوقت المناسب:
كان صلى الله عليه وسلم يقتصد في تعليمه في مقدار ما يلقيه، وفي نوعه، وفي زمانه، حتى لا يمل الصحابة وحتى ينشطوا لحفظه، ويسهل عليهم عقله وفهمه، فعن ابن مسعود  قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا( ) بالموعظة في الأيام، كراهةَ السآمة علينا( ).
4- ضرب الأمثال:
للمثل أثر بالغ في إيصال المعنى إلى العقل والقلب، وذلك أنه يقدم المعنوي في صورة حسية فيربطه بالواقع ويقربه إلى الذهن، فضلاً عن أن للمثل بمختلف صوره بلاغة تأخذ بمجامع القلوب، وتستهوي العقول، وبخاصة عقول البلغاء؛ ولذلك استكثر القرآن من ضرب الأمثال، وذكر حكمة ذلك في آيات كثيرة، فقال تعالى: ( وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ ) [العنكبوت: 43].
وقال تعالى: ( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) [الحشر: 21].
إلى غير ذلك من الآيات، وعلى هذا المنهج الكريم سار النبي صلى الله عليه وسلم فاستكثر من ضرب الأمثال، فقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (حفظت عن رسو ل الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل)( ).
وقد ألفت كتب متعددة في الأمثال في الحديث النبوي، من أقدمها (أمثال الحديث) للقاضي أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، (ت360هـ)( ).
5- طرح المسائل:
إن طرح السؤال من الوسائل التربوية المهمة في ربط التواصل القوي بين السائل والمسئول، وفتح ذهن المسؤول وتركيز اهتمامه على الإجابة، وإحداث حالة من النشاط الذهني الكامل؛ ولذلك استخدم النبي صلى الله عليه وسلم السؤال في صور متعددة لتعليم الصحابة، مما كان له كبير الأثر في حسن فهمهم وتمام حفظهم، فأحياناً يوجه النبي صلى الله عليه وسلم السؤال لمجرد الإثارة والتشويق ولفت الانتباه، ويكون السؤال عندئذ بصيغة التنبيه (ألا) غالباً، فعن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذالكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط»( ).
وأحيانا يسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عما يعلم أنهم لا علم لهم به، وأنهم سيكلون علمه إلى الله ورسوله، وإنما يقصد إثارة انتباههم للموضوع، ولفت أنظارهم إليه( )، فعن أبي هريرة  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» ( ).
وأحيانًا يسأل فيحسن أحد الصحابة الإجابة، فيثني عليه، ويمدحه تشجيعاً له وتحفيزاً لغيره، كما فعل مع أُبي بن كعب  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا المنذر أتدري أيُّ آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال قلت: ( اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) قال: فضرب في صدري، وقال: «ليهنك العلم( ) أبا المنذر» ( ).
فهذا الاستحسان والتشجيع يبعث المتعلم على الشعور بالارتياح والثقة بالنفس، ويدعوه إلى طلب وحفظ المزيد من العلم وتحصيله( ).
6- إلقاء المعاني الغريبة المثيرة للاهتمام والداعية إلى الاستفسار والسؤال:
ومن ألطف ذلك وأجمله، ما رواه جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق، داخلاً من بعض العالية، والناس كنفته( ) فمر بجدي أسك( ) ميت، فتناوله، فأخذ بأذنه، ثم قال: «أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟»، فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ قال: «أتحبون أنه لكم؟» قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا فيه، لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم» ( ).
7- استخدام الوسائل التوضيحية:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يستخدم ما يسمى اليوم بالوسائل التوضيحية، لتقرير وتأكيد المعنى في نفوس وعقول السامعين، وشغل كل حواسهم بالموضوع، وتركيز انتباههم فيه، مما يساعد على تمام وعيه وحسن حفظه بكل ملابساته، ومن هذه الوسائل:
أ- التعبير بحركة اليد، كتشبيكه صلى الله عليه وسلم بين أصابعه وهو يبين طبيعة العلاقة بين المؤمن وأخيه، فعن أبي موسى الأشعري  عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» وشبك بين أصابعه( ).
ب- التعبير بالرسم، فكان صلى الله عليه وسلم يخط على الأرض خطوطاً توضيحية تلفت نظر الصحابة، ثم يأخذ في شرح مفردات ذلك التخطيط وبيان المقصود منه، فعن عبد الله بن مسعود  قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده، ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيما» ثم خط خطوطاً عن يمينه، وعن شماله ثم قال: «وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه» ثم قرأ ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [الأنعام: 153].
ج- التعبير برفع وإظهار الشيء موضع الحديث: كما فعل صلى الله عليه وسلم عند الحديث عن حكم لبس الحرير والذهب، فعن علي بن أبي طالب  قال: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله، ثم قال «إن هذين حرام على ذكور أمتي»( ) وفي رواية عند النسائي عن أبي موسي: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها»( ) فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين القول وبين رفع الذهب والحرير وإظهارهما، حتى يجمع لهم السماع والمشاهدة، فيكون ذلك أوضح وأعون على الحفظ.
د- التعليم العملي بفعل الشيء أمام الناس: كما فعل عندما صعد صلى الله عليه وسلم المنبر فصلى بحيث يراه الناس أجمعون، فعن سهل بن سعد الساعدي  قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على المنبر فاستقبل القبلة وكبر، وقام الناس خلفه، فقرأ وركع وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى( )، فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم قرأ، ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى، فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم قرأ، ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى، حتى سجد بالأرض فلما فرغ أقبل الناس، فقال: «أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا ( ) صلاتي» ( ).
8- استعمال العبارات اللطيفة والرقيقة:
إن استعمال لطيف الخطاب ورقيق العبارات يؤلف القلوب، ويستميلها إلى الحق ويدفع المستمعين إلى الوعي والحفظ، فقد كان صلى الله عليه وسلم يمهد لكلامه، وتوجيهه بعبارة لطيفة رقيقة، وبخاصة إذا كان بصدد تعليمهم ما قد يستحيا من ذكره، كما فعل عند تعليمهم آداب الجلوس لقضاء الحاجة، إذ قدم لذلك بأنه مثل الوالد للمؤمنين، يعلمهم شفقة بهم( )، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلِّمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه» ( ).
لقد راعى المعلم الأول صلى الله عليه وسلم جملة من المبادئ التربوية الكريمة كانت غاية في السمو الخلقي والكمال العقلي، وذلك في تعليقه على ما صدر من بعض الصحابة، جعلت التوجيه يستقر في قلوبهم وبقي ماثلا أمام بصائرهم، لما ارتبط به من معانٍ تربوية كريمة( ) وهذه بعض المبادئ الرفيعة التي استعملها النبي صلى الله عليه وسلم:
أ-تشجيع المحسن والثناء عليه:
ليزداد نشاطاً وإقبالاً على العلم والعمل، مثلما فعل مع أبي موسى الأشعري  حين أثنى على قراءته وحسن صوته بالقرآن الكريم، فعن أبي موسى  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل دواد» ( ).
ب- الإشفاق على المخطئ وعدم تعنيفه:
كان صلوات الله وسلامه عليه يقدر ظروف الناس، ويراعي أحوالهم، ويعذرهم بجهلهم، ويتلطف في تصحيح أخطائهم، ويترفق في تعليمهم الصواب، ولا شك أن ذلك يملأ قلب المنصوح حباًّ للرسالة وصاحبها، وحرصا على حفظ الواقعة والتوجيه وتبليغهما، كما يجعل قلوب الحاضرين المعجبة بهذا التصرف والتوجيه الرقيق مهيأة لحفظ الواقعة بكافة ملابساتها( ) ومن ذلك ما رواه معاوية بن الحكم السلمي  قال: (بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وا ثكل أمياه( )، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كَهَرني( ) ولا ضربني، ولا شتمني قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( ).
فانظر – رحمك الله – إلى هذا الرفق البالغ في التعليم، وانظر أثر هذا الرفق في نفس معاوية بن الحكم السلمي  وتأثره بحسن تعليمه صلى الله عليه وسلم.
ج- عدم التصريح والاكتفاء بالتعريض فيما يذم:
لما في ذلك من مراعاة شعور المخطئ، والتأكيد على عموم التوجيه ومن ذلك ما حدث مع عبد الله بن اللَّتبيَّة  حين استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات بني سليم، فقبل الهدايا من المتصدقين، فعن أبي حُميد الساعدي  قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً على صدقات بني سليم، يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه، فقال: هذا مالكم، وهذا هدية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا؟» ثم خطبنا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله بحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رُغاء أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر»( ). ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه يقول: «اللهم بلغت» بصر عيني وسمع أذني( ).
د- الغضب والتعنيف متى كان لذلك دواعٍ مهمة:
وذلك كأن يحدث خطأ شرعي من أشخاص لهم حيثية خاصة، أو تجاوز الخطأ حدود الفردية والجزئية، وأخذ يمثل بداية فتنة أو انحراف عن المنهج، على أن هذا الغضب يكون غضبا توجيهياً، من غير إسفاف ولا إسراف، بل على قدر الحاجة ومن ذلك غضبه صلى الله عليه وسلم حين أتاه عمر ومعه نسخة من التوراة، ليقرأها عليه صلى الله عليه وسلم، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب  أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنسخة من التوراة فقال: يا رسول الله، هذه نسخة من التوراة، فسكت فجعل يقرأ ووجه رسول الله يتغير، فقال أبو بكر: ثكلتك الثواكل، ما ترى بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فنظر عمر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبياً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حياَّ وأدرك نبوتي لاتبعني»( ).
ومن ذلك غضبه صلى الله عليه وسلم من تطويل بعض أصحابه الصلاة وهم أئمة بعد أن كان صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك لما فيه من تعسير ومقشة، ولما يؤدي إليه من فتنة لبعض الضعفاء والمعذورين وذوي الأشغال، فعن أبي مسعود الأنصاري  قال: قال رجل: يا رسول الله، لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان، فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في موعظة أشدَّ غضبًا من يومئذ فقال:
«أيها الناس إنكم منفرون، فمن صلى بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف
وذا الحاجة»( ).
ومن ذلك غضبه من اختصام الصحابة وتجادلهم في القدر، فعن عبد الله بن عمرو ابن العاص رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه، وهم يختصمون في القدر، فكأنما يُفْقَأُ في وجهه حب الرمان من الغضب فقال: «بهذا أمرتم؟ أو لهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض؟ بهذا هلكت الأمم قبلكم» ( ).
ومن ذلك غضبه صلى الله عليه وسلم حين يخالف الصحابة أمره ويصرون على المغالاة في الدين والتشديد على أنفسهم، ظنا أن ذلك أفضل مما أمروا به، وأقرب إلى الله فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم من الأعمال بما يُطيقون قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه، يقول: «إن أتقاكم وأعلمك بالله أنا» ( ).
ولم يكن غضب النبي صلى الله عليه وسلم في تلك المواقف إلا عملاً توجيهياًّ وتعليمياًّ، تحريضاً للصحابة على التيقظ، وتحذيراً لهم من الوقوع في هذه الأخطاء، فالواعظ (من شأنه أن يكون في صورة الغضبان؛ لأن مقامه يقتضي تكلف الانزعاج؛ لأنه في صورة المنذر، وكذا المعلم إذا أنكر على ما يتعلم منه سوء فهم ونحوه، لأنه قد يكون أدعى للقبول منه وليس ذلك لازماً في حق كل أحد بل يختلف باختلاف أحوال المتعلمين)( ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://theroadtoparadise.alafdal.net
 
السيرة النبوية الجزء الاول -27
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الطريق الى الجنة :: السيرة المطهرة-
انتقل الى: